المرض النفسي (كاروشي اليابان) .. والمرض المزمن (كروش العرب)
د.
عبدالله بن عبدالعزيز المنيع *
الكاروشي Karoshi ) ) موضوع نفسي هام جداً لحياة الانسان خاصة
وأنه أصبح قضية هامة في بعض البلدان المنتجة والمصنعة وتعني الكاروشي بالترجمة
اللفظية اليابانية (الموت من إرهاق العمل) "death from overwork" أو (العمل حتى الموت " work to death"(.
وبدأت هذه التسمية في
نهاية الستينيات عندما توفي عامل في شركة شحن يابانية جراء جلطة دماغية نتيجة
العمل المتواصل لأكثر من 16 ساعة يومياً، ولاحظ علماء النفس والطب المتخصصين
بقضايا العمل والعمال أنه ومع زيادة الرغبة في الانتاج وحب الشخص الياباني للعمل
أصبحت حالات الكاروشي تتزايد وأصبحت هناك وفيات مفاجأة مثل النوبات القلبية
والسكتات الدماغية تطال الموظفين وحتى مدراء الشركات! رغم أن الكثير منهم يعمل
برغبة منه ، بل أصبح من الشائع أن يعمل الموظف أعمال إضافية بدون أجر - كثقافة
مجتمع – ومنذ منتصف الثمانينيات أصبح الكاروشي ظاهرة وبدأت أعداد المتوفين
بالكاروشي تتزايد ثم صنف المرض بأنه له أكثر من سبب ولكن أكبر الاسباب هي أسباب
نفسية قد تكون قهرية (إلزامية) فلذلك أدخل مسمى الكاروشي (Karoshi ) في قاموس الأمراض النفسية الاجتماعية
المؤدية إلى الوفاة المفاجأة كنتجية لضغط العمل سواء أكان برغة من صاحبه أم لم يكن
.
ومنذ ذلك الحين بدأت الأعداد بالتزايد حتى وصلت إلى قرابة ( 300) حالة كاروشي
سنوياً في الفترة بين 2005-2008 ، أما حالات الأمراض النفسية ما قبل الكاروشي فهي
بالآلاف .
إذاً فالحل بإختصار سواء أكان على المستوى
الشخصي أو على المستوى المؤسسي يكمن في التوازن بين حاجات الانسان، وعدم تحويله
إلى آلة تعمل دون كلل و خل، أي أن يكون العمل كحد أقصى وفي أشد الظروف عشر
ساعات يومياً وذلك حسب اتفاقية العمل الدولية، ويبقي بقية اليوم لحياته كأسرته
وراحته ونومه
..
ومن هنا سأجزم بأن معظم موظفي العالم
الثالث لم يسمع بهذا المسمى من قبل لا بلفظه الياباني ولا بترجمته العربية، والسبب
بسيط جداً لأننا في العالم الثالث ( إنتاجية وعلمياً وعملياً) لا نعرف قيمة الوقت
و الانتاجية التنافسية والتقدم العلمي بقدر ما نعرف أشياء أخرى ليس لها أهمية هذه
الأشياء في عالمنا اليوم، فصحيح أن الياباني وصل لحالة الكاروشي بسبب كثرة
إنتاجيته، ولكن فلننظر لعدد من توفي في اليابان بسبب الكاروشي ومن توفي في عالمنا
العربي بسبب السمنة وامتلاء الكروش، فبينما وجدت بأن هناك أكثر من 40 مليون عربي
من أصحاب ( الكروش) والسمنة ومضاعفاتها ويموت بسسببها - فقط في السعودية - أكثر من
عشرين ألف مواطن سنوياً !! وفي المقابل نجد أن السمنة والكروش لا تمثل مشكلة كبرى
لليابانيين مقارنة بالدول العربية وغيرها. وبينما إنتاجية الياباني - بحفاضه على
الدقيقة الانتاجية من وقته - أبهرت العالم حتى أصبح المنتج الياباني رمزاً للجودة
في أصقاع الأرض... تبين الإحصائيات أن انتاجية الموظف أو العامل في الدول العربية
كحد أقصى أقل من ساعتين ، بل أن إنتاجية بلد عربي أفريقي تبلغ خمس دقائق باليوم،
وفي بعض الدول العربية 15 دقيقة في اليوم، وجزء كبير من هذه الأزمة يعود إلى قلة
الالتزام بالوقت والمواعيد والمهام الموكلة والاستهتار بالعمل وعدم وجود الطموح
والتخطيط المؤسسي أو الشخصي إلا نادراً، وهذا ما يذكره تقرير التنافسية العالمية The Global Competitiveness Report 2010 -
2011،
الذي يعطينا ترتيبا وتقييماً لكل دولة بحسب أدائها الفعلي، والعجيب أن التقارير
العلمية لم تلقي باللائمة أبداً على الدين أو التقاليد - كما يلقيها جزافاً من
يتهم قيمنا وديننا بأنها السبب- فالمشكلة هي شخصية مؤسسية وعادات تبلورت في ظل
الفساد الاداري والإهتمام بصغائر وتوافه الأمور على حساب التقدم العلمي والتقني
والانساني
.
وأخيراً فلا يظن أحد أنني أقسو على قومي وقوميتي، فهذه الحقيقة . وطريقنا للتطور تقبل النقد، وبناء الجسد والفكر لحياة أفضل، فالجسم السليم في العقل السليم، فهل نفضل أن يتوفى ميتنا بسبب الكاروشي الياباني أو يموت بسبب الكروش والسمنة، فالأمر مختلف. ورحم الله الفاروق الذي ينسب إليه مقولة: "لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن سماء لاتمطر ذهبا ولا فضة وان الله يرزق الناس بعضهم ببعض" ، وقوله " تعلموا المهنة فانه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته"
وأخيراً فلا يظن أحد أنني أقسو على قومي وقوميتي، فهذه الحقيقة . وطريقنا للتطور تقبل النقد، وبناء الجسد والفكر لحياة أفضل، فالجسم السليم في العقل السليم، فهل نفضل أن يتوفى ميتنا بسبب الكاروشي الياباني أو يموت بسبب الكروش والسمنة، فالأمر مختلف. ورحم الله الفاروق الذي ينسب إليه مقولة: "لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن سماء لاتمطر ذهبا ولا فضة وان الله يرزق الناس بعضهم ببعض" ، وقوله " تعلموا المهنة فانه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته"
--------
* تويتر Dr_manea@
·
نشر المقال في مجلة الصحة العربية، وموقع
أكاديمية علم النفس في 6/2011