الاثنين، 24 يوليو 2017

الطفل الموهوب وبداية المشكلات ؟


بقلم / د.عبدالله عبدالعزيز المنيع (*)
    
ذكاء الأطفال هبة من الله سبحانه وتعالى ولذلك يسمى طفل موهوب، وهي الهبة والعطية من الله، والموهبة Giftedness واسعة المعاني ولكل مدرسة في شتى فنون العلم مفهوم يوازي هذا المصطلح، فمنهم من قرنها بالذكاء Intelligence، وآخرين بالتفوق العقلي Superior   وغيرهم بالقدرة Ability، وهناك من صنفها إلى عدة تصنيفات وجزأها، ولكن ليس هذا مجال بحثنا في هذه العجالة خاصة إذا كانت المحصلة واحدة في المعنى العام.
والطفل الموهوب هو طفل عادي مثل أي طفل يعيش حياته ولكن أثبتت البحوث التي قام بها الكثير من العلماء في مجال علم النفس والاجتماع و تخصصات الذكاء أن الطفل الذكي أو الموهوب أو ما يطلق عليه علماء النفس ( الغير عادي ) أنه رغم تفوقهم ونباهتهم إلا أنهم يعيشون حياة غير سهلة بعكس أقرانهم من الأطفال العاديين، وقد يكون الذكاء أحياناً عكسياً على صاحبة، وخاصة في صغره ، وربما يواجهون شقاء بسبب تفوقهم وقد ينطبق عليهم قول المتنبي :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

     والسبب في ذلك أنهم يواجهون صعوبات أكبر من ما يواجهه الطفل العادي ، وقد صنف الكثير من العلماء أنواع تلك المشكلات التي تواجه الموهوب منذ صغره وقد تحد من قدراته أو في أقل الأحوال تخلق له متلازمات من القلق والإحباط و عدم تقدير الذات مما ينتج عنه موجات من الاكتئاب والقلق والشعور بالظلم...
     ولكي نعرف أهم العقبات التي تواجه الموهوب في حياته فلابد أن نتنبه إلى أن العقبات والمشكلات جزء من الحياة- حياة أي انسان قال تعالى :"  لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَفِي كَبَدٍ "- ولأن الطفل الغير عادي يشعر بها أكثر فهي ملازمة له منذ طفولته حتى وفاته ولكل مرحلة عقباتها التي يجب التنبه لها و مساعدته على تجاوزها.

    ويمكن تقسيم المشكلات التي تواجه الموهوب في حياته على قسمين رئيسيين :

مشكلات داخلية المنشأ: (تظهر من الموهوب بنفسه دون تدخل البيئة حوله).
مشكلات خارجية المنشأ: من البيئة من حوله أياً كانت بدأً من الوالدين والأسرة مروراً بالمدرسة واللعب والحياة والمجتمع..
    فإذا ما أردنا أن يبرز أطفالنا الموهوبون قدراتهم ومواهبهم وأن يكونوا قادة المستقبل ورجال الفكر وأمل الأمم فلا بد أن نحقق لهم السعادة في حياتهم وأن نتفحص مشكلاتهم وأسبابها وأسباب علاقتهم ببعض المشكلات خاصة، ومساعدتهم على تجاوز مرحلة الطفولة بمشكلاتها وتعقيداتها التي تخصهم .
ولست بصدد طرح كل المشكلات التي تمر بهذا الطفل المميز ولكنني سوف أقتصر على أهم مرحلة وأول محطة تبدأ معها مشكلات الطفل الموهوب، وهي الأسرة وخاصة الوالدين الأم والأب وما قد يسببانه من مشكلات لهذا الطفل الموهوب الذي غالباً لا يعرفان التعامل معه، بل قد يسببان له الكثير من المتاعب والاحباطات المتتالية أو ما يمكن أن نسميه: (مشكلات الموهوبين الوالدية)، أو ( مشكلات الموهوبين الأسرية)،  وأرى أن هذه المرحلة هي أهم مرحلة وأدق وأخطر نقطة انطلاقة إذا ما تجاوزها الموهوب بأقل قدر من العراقيل والمشكلات فهو قد تجاوز مرحلة خط البداية وبدأ في طريق التفوق الصحيح، وبالتالي يخفف تجاوز هذه المرحلة على المشكلات اللاحقة وتكون كالأساس في بناء الإبداع وكالوقاية من المشكلات اللاحقة:

1.المبالغة في التعامل وتقدير مستوى ذكاء الطفل الموهوب:
   غالباً ما يقع الآباء بهذه المشكلة وخاصة إذا ما كانوا يحبون هذا الطفل الذي يزيد عمره العقلي Mental age عن أقرانه في السن نفسه، فالطفل الموهوب يظهر شيئاً من مواهبه رغم أنه ما زال في المرحلة الأولى من عمرة أو الطفولة المبكرةً فهو يبدأ بالنظر والتأمل في من حوله وتبدأ موهبته التي أعطاه الله إياها بالتأمل والمراقبة، ومع مرور الوقت يدرك بعض الحركات التي تدور حوله ويفهم متى تكون لمصلحته ومتى العكس رغم أنه لم يبدأ بالكلام بعد، ومع مرور الوقت وتقدمه بالعمر وبمجرد جلوسه مع أحد والديه أو مع إخوته الذين يكبرونه سناً يستطيع أن يربط بين الكلمات بدون كلام فمثلاً تقول مروحة فيشير إلى السقف وتتحدث عن السيارة فيركض لحذائه أو يحضر لك حذائك أو يحضر مفتاح السيارة من جيبك، وهكذا من المواقف الكثيرة جداً التي يعرفها الآباء جيداً والتي يبدأ الأطفال العاديين بالتصرف بها أو القيام بها بعد هؤلاء بأشهر أو أكثر من سنة..وتجده بعد ذلك يردد الكثير من الكلمات والأناشيد وأحياناً يحاول القراءة والكتابة بل ويحفظ سوراً صغيرة من القرآن ويقوم بالجمع والطرح بقدر مقبول يندر في سنه  قبل دخوله الروضة أو المدرسة وربما يحل مشكلات تواجهه أو تواجه أقرانه وإخوته، خاصة في ألعابه التي يلهو بها..، وهكذا بشكل أو آخر ومن سنة لأخرى وبدرجات تفوق متفاوتة من طفل لآخر ومن بيئة لأخرى.
    وتجد أن الكثير من الأسر ابتداءً من الأم والأب مروراً ببقية الأولاد أو أقرباء الأسرة فضلاً عن طريقة تعاملهم فهم يبالغون في تقدير وتصوير ذكاء وتفوق وموهبة طفلهم  بشكل أو بآخر وهذا الأمر غاية في الأهمية والخطورة لعدد من الأسباب التي لها آثار سلبية في كثير من الأحيان وبرأيي أن لتلك الآثار السلبية سببان هامان وأساسيان مصدرهما طريقة تعامل الوالدان مع الأولاد المتفوقين :

·        زيادة الأحمال على الطفل المتفوق:
    إن مخرجات الطفل الموهوب من الفنون والإبداع والفهم والإدراك  والابتكار وغيرها من مكونات الإبداع لا تعني تحميله فوق طاقته فالموهبة والتفوق تكاملية حتى وإن كانت جينية ربانية، فهي تبنى مع مرور الزمن ولكل مرحلة مشكلاتها وتطوراتها البيولوجية والنفسية لهذا الطفل المبدع كما هي لأي طفل آخر، وهي جزء من المرحلة القادمة من حياته ولبنة من لبنات التفوق، فزيادة تحميل الطفل طاقته واستنزاف إبداعه في غير مكانه ووقته لمجرد المفاخرة به و تجيير تفوقه لوالديه ولمن حوله نوع من الأنانية التي تأتي من ذوي المبدع، حتى لو لم يقصدوا ذلك، ويكون محصلتها مبدع بدون إبداع وعقل بلا تركيز وتفوق بغير محله.
لعل من أهم هذه الأسباب طريقة تعامل مجتمعه معه أثناء طفولته وربما يكون التقدير لمستوى ذكاءه وتفوقه غير واقعي وأكبر من قدراته.
     ومن تلك الصور ما يطلبه الوالدان من ولدهما أو أولادهم المتفوقون لتحقيق المزيد والمزيد من الإنتاج والتفكير والتقدم وإبراز الكثير من منتجاتهم العقلية وذلك بدفعهم لمضاعفة جهودهم واختصار الوقت والجهد أياً كان العلمي أو العملي أو التعاملي والإدراكي وذلك بحسب توجهاتهم لهذا الإبداع .
 ما يتحول إبداع وتفوق الطفل إلى مجرد تحقيق لطموح الوالدين – أو أحياناً من هم في مقامهما - اللذين لم يحققا ذلك الطموح أثناء حياتهما أو في صغرهما، وهذا الفعل يعود بالنتائج العكسية على حساب النواحي النفسية والاجتماعية والأخلاقية وخلق إرباك للبيئة الطبيعية التي يفترض أن يعيشها هذا الطفل وحرمانه منها فهو أولاً وأخيراً طفل وفي مرحلة الطفولة التي لها متطلباتها واحتياجاتها ولا يجب استغلال جانب منها لأي غرض آخر حتى وإن كان هناك من يخالف هذا الرأي بدعوى الشد من الأزر وتطوير الذات والقدرات و التحفيز وما إلى ذلك من الأمور التي لابد منها ولكن حسب برامج مدروسة وبعناية ولها وقتها وفي كل عمر لها أسلوبها الذي تنفذ فيه.   

·        الإحباط النفسي Frustration:
    وفي المقابل نجد أن الإفراط الزائد من قبل الوالدين أو الأسرة في رعاية وحماية والتعظيم من قدرات الطفل الموهوب فضلاً عن الكثير من الحرص والحنان والإغراق العاطفي اللامحدود يخلق لدى الطفل الموهوب بما يسمى بعقدة النقص(Inferiority complex) ، خاصة إذا ما واجه الحياة ووجد بأنه كان مخدوعاً بمن حوله الذين بالغوا بتقدير مستوى ذكاءه وبالتالي طريقة التعامل معه، حيث يشعر ـ وخاصة في أواخر مرحلة الطفولة وبالطبع ما بعدها ـ بالإحباط الذي يولد النقص بسبب شعوره بوجود عيب في شخصيته إذا ما قارن نفسه بالآخرين، مما يعود عليه بالتوتر والقلق، و يسبب له مشكلات نفسية وخاصة الإحباط الذي يفتت من إبداعه ويجعل منه إنسان (متماسك إلى حد ما) ولكن بذكائه وفطنته الفطرية وليس الحالة الطبيعية المفترضة التي لو وجدت أو تهيأ وجودها لديه لكان خير على خير، ولتفوق فعلاً على أقرانه ولأصبح الذكاء إبداعا وتفوقاً على الأرض والواقع.
    إذا ما حدثت لديه عقدة النقص فإنه يسعى إلى التعويض بطرق عديدة و يحاول أن يصحح أخطاء التربية في المراحل السابقة، وهنا نجد أن المتفوق قد يحالفه الحظ ويسير إلى الطريق الصحيح إذا ما وجد رعاية لاحقة ولو كانت متأخرة.
 و كذلك قد لا يعمل على التوجه الصحيح، وقد يحاول فيفشل بقوة الإحباط والتوتر، فيتوجه إلى طرق أخرى غير سوية أو غير مفيدة أو يتوجه للانحراف هنا يسخر ذكائه وتفوقه في فساد نفسه ومجتمعه، وهذا ما نحذر منه.   

2.    إهمال الوالدين للحاجات الأساسية للطفل الموهوب:
      وهذه الحاجات بالعبارة المختصرة لا تختلف كثيراً عن حاجات أي طفل سوي آخر، ولكن لا بد من الأخذ بالاعتبار الفروق الفردية التي يتميز بها هذا الطفل الموهوب أو المبدع، فمثلاً خلال اللعب نلاحظ أن الطفل يدرك الألعاب أكثر من الأطفال الآخرين، و كذلك في المراحل الدراسية ويجب الاهتمام بتثقيف الطفل المبدع في مجال هوايته بالقراءة والاطلاع، والشرح وترك فرصة له للتفكير والاستنتاج وكذلك اكساب الطفل مهارات التفكر والتفكير والتحليل، وكذلك اعطاءه الفرصة لإبداء الرأي والحل..


(*) تم نشر هذا المقال  في مجلة الموهوبين يناير 2009
المستشار النفسي / د. عبدالله عبدالعزيز المنيع


لا تتملك المرض ( تفاءلوا بالخير تجدوه )…



د. عبدالله عبدالعزيز المنيع *

الكثير من الناس يجلب الأمراض لنفسه ويوطنها بجسده وكأنها جزء من حياته… و نجد أن ممن رزقه الله بسطة في الجسم والعلم والعقل.. يقع في هذه المشكلة المؤرقة ويستجيب بضعف لنداءات نفسية داخلية بأنه مريض، بل ويعاني من هذا المرض أو ذاك، وتجده يردد العبارات الغير صحية للنفس والجسد، والتي يجب ألا يذكرها إلا عند الحاجة كالطبيب مثلاً.. ولكنه يكرر في كل وقت ومكان ومناسبة بأنه مريض ويعاني من هذا المرض أو ذاك ؟ أو إذا سُأل عن مرضه يقول: لا تسأل الامور وسط ..!؟ وآخر يقول: صداعي أو زكامي مختلف عن الناس..؟! أو إذا أقبل الشتاء يقول: جاء الشتاء وجاءت أمراضه زكام وكحة ولوز..؟! بدلاً من التفاؤل بمقدم هذا الفصل القصير الجميل…. وهكذا يتملكه المرض كأن مرضه لم يصب به غيره.
والشيء الذي لا ندركه أننا نوطن المرض أو الأمراض التي نختارها أو التي يبتلينا الله بها بدون شعور في جسادنا بهذه السلوكيات، بدلاً أن تكون أمراضاً عارضة وتزول، ومن ثم نعاني معاناة حقيقية من آلامها.
 والحقيقة أن ذكر الشخص لهذه العبارات وخاصة ( النساء ) له مسببات كثيرة، مثل جلب تعاطف الآخرين، أو لعتقاد الفرد أنها تغير الرأي الآخر، أو لإقناع النفس حتى لا تؤدي أو لتتغيب عن واجب أو عمل هام.. وقد يكون الأمر صحيحاً وهو مرض قوي ولكن يصاب الفرد بالجزع ثم يردد هذه الكلمات لكل من واجهه، وهنا نجد أن هذا الفعل أو السلوك جلب ضرراً، وأجَّلَ فترة الشفاء ( بإذن الله ) لأن خلايا الجسم ذكية، وقد فطر الله تلك الجزيئات وكريات الدم على محاربة الأمراض الدخيلة على الجسم، واستنتاج مضادات متى ما شعرت بوجود دخيل على الجسم، كالأمراض مهما كانت درجتها.. وهي بلا شك تحتاج للدعم النفسي أولاً من قبل صاحب المرض نفسه، من الإيمان بالله وشكره على كل كبيرة وصغيرة، ومن ثم فعل الأسباب النفسية مثل تطمين النفس وتكرار عبارات الشكر لله دائماً و الاستمتاع بالحياة كما هي وليس كما نريد.. وعدم تكرار تلك الاسطوانة بأن مرضه مرافق له سواء كان مرضاً عابراً عادياً أو لا قدر الله كان مرضاً خطيراً، بل يسعى للعلاج لدى المتخصصين… أما متى ما شعرت تلك الخلايا الذكية بدافع نفسي يبقى المرض ويقول أنه مرض جزء منا ومن حياتنا وهوقدرنا،حتى تملكناه.. هنا يكون أدائها ضعيفاً بل قد لا ينفع العلاج ولا يؤدي الغرض العلاجي له..
 و هنا نجد أننا لو اتبعا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل شيء من حياتنا ومنها الفأل حال الصحة والمرض ( تفاءلوا بالخير تجدوه).. لكانت حياتنا أصح وأجمل.


* نشرت المقالة  في 2011


قتل ذوي الاحتياجات الخاصة بأسلوب التعليم التقليدي !



د. عبدالله بن عبدالعزيز المنيع *

ذوي الاحتياجات الخاصة هم بشر مثل أي بشر لهم أفئدة تعقل وعقول تفكر، ولكنهم -بكل أسف – دائماً ما يذوقون المرارات من سوء التعامل والتهميش في شتى شئون الحياة ولا بواكي لهم ولا عليهم، ونسينا أو تناسينا قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم : " إنما تنصرون بضعفائكم"، وقلبنا الآية وخذلنا الضعفاء، فكان الخذلان مصيرنا ولن نجد النصر الإلهي الموعود حتى يشعر الضعفاء بعزة الكبار من خلال الخدمات التي تقدم لهم منذ ولادته حتى وفاته ، وبدأ من منزله حتى قبره.
ذوي الاحتياجات الخاصة تعني أي فئة تحتاج إلى عناية خاصة بحيث تستطيع أن تكون لبنة صالحة في المجتمع وتنشيء أسرة ويكون لها حياة مستقرة بدل أن تعاني الويلات والاكتئاب ثم تمنى الموت على الحياة في ظل القتل البطيء التي تعيشه على المستوى الفردي وثقافة المجتمع فضلاً عن سلبه حقوقه الانسانية التي كفلتها له جميع الشرائع السماوية والقوانين الارضية! . هنا سوف أتحدث عن فئة واحدة من تلك الفئات المهمشة وهم ذوي صعوبات التعلم Learning disabilities ، وهم الذين لديهم ضعف وتأخر دراسي أكاديمي وذلك بمادة أو أكثر وخاصة القراءة والكتابة والرياضيات، ولكن لا يعني ذلك بالضرور خلالا في مستوى ذكائهم ، بل بالعكس دائماً ما يبرز ذوي صعوبات التعلم الدراسي في مجالات أخرى ويتفوقون بها بشكل عجيب، وليس أدل على ذلك وجود علماء ومخترعون ورؤساء ومشاهير وفنانون ورياضيون كبار جميعهم من ذوي صعوبات التعلمن أمثال الرئيس جورج واشنطن والرئيس الامريكي جورج بوش الابن، ومن المشاهير والعلماء أديسون، نابليون، محمد على كلاي.. والقائمة كبيرة وطويلة جداً يمكن الرجوع إليها، ولكن المؤلم هنا في بلادنا أن لا نعرف التعامل المناسب مع هذه الفئات ولا نقدر مواهبهم ونعاملهم كمعاملة الأشخاص العاديين وخاصة في بداية الدراسة وفي الصفوف الأولى بحيث نحكم عليهم بقسوة ونشعرهم بالغباء والجهل والتبلد الدراسي، ولا نقدم لهم الدعم الشامل المناسب، بدل من إكتشاف مواهب وهوايات هذا الطفل وإستغلالها وتنميتها لديه ليكون لبنة نافعة لنفسه ووطنه نجعل منه مشكلة تتراكم، وتزداد بزيادة عمره فكل يوم يمر عليه يشعر بالهم والألم ويتمنى أنه لم يولد وكأنه السبب في مشكلته، ولو أننا أحسنا التعامل معه لجعلنا منه مبدعاً في مجاله وهمة عاليه في تخصصه وهوايته ونجماً في مستقبله.


*نشرت المقالة في مجلة عالم الاعاقة 5/2015

المعاملة حسب التصورات والأحلام !!



د. عبدالله بن عبدالعزيز المنيع *

لا تستغرب أن تصادف أحداً يعرفك وتعرفه وبينكما معرفة أو حتى زمالة وصداقة وقرابة..، ولكنك تتفاجأ به في أحد الأيام ، وقد استفاق من النوم فجأة وهو ينظر إليك شزراً، بل ويعاملك معاملة قاسية قد تصل إلى حد القطيعة والجفوة ؟ وبينما أنت تقف حائراً حول سبب هذا السلوك، وتفتش يمنة ويسرة وتعتصر الذاكرة حول سبب هذا السلوك أو هذه الجفوة المفاجأة من زميلك أو صديقك أو حتى قريبك ..، ولكنك لا تجد شيئاً إلا ما هو طبيعي كما هي الحياة الطبيعية في التعامل البشري .
نعم هذه الأمور تحدث والكثير منا قد واجهها في حياته بشكل أو بآخر ولكن الكثير قد لا يعرف سبب التصرف من الجانب الآخر ، وحينها إما أن تهدأ النفوس وتعود المياه إلى طبيعتها وإما أن تزداد الجفوة أو تبقى في النفوس حتى وإن لم تظهر على شكل قسوة أو عنف تجاه الطرف الآخر. 
وهذا هو ما أريد أن أوصله إلى القاريء الكريم من حيث طبيعة هذا السلوك النفسي المعقد الذي لابد وأن من يقوم به شخص لديه شيء من صفات الحذر أو التشائم أو قد يكون شيئاً من الوسواس أو الشك. وإلا فليس من المعقول أن تحاسب إنساناً ( تعرفه ويغلب عليه حسن الخلق والتعامل) حسب ظن أو رأي تتصوره أو حلماً رأيته فيه بشل أو بآخر لم يعجبك.فتبني أحكامك  على دوافع نفسية يدعمها الشيطان لقطيعة رحمك أو أهل قرابتك وصحبتك. والمشكلة أن هذه المشكلة النفسية التي عند كثير من الناس تتسلط على الأقرباء من الأسرة أو الأصدقاء والمعارف ، وهم في الأصل ممن يحمد جانبهم ويؤتمنون وهم بالطبع ليسوا محل شك وليسوا أعداءً!، فليس من العدل أن يساء الظن بإناس ـ محل حسن ظن - وأن يعاملوا بسوء ظن وجفوة بناء على تقارير وهمية، وأفكار غير واقعية ، وتوهمات بأنها من قو الفطنة والحدس وتحليل النفوس!!

كنت في مناسبة في أحد الأيام وقد دخل رجل نعرفه جميعاً بالخير، ولكنني تفاجأت بالذي بجواري وهو يقول: يا أخ عبدالله أنا أكره هذا الرجل ..؟ قلت لماذا وأنتم زملاء في العمل وهو رجل في حالة ومعروف بكف الشر وفعل الخير.. قال السبب أنني رأيته في المنام قبل اسبوع وهو ينظر إلى نظرة قوية !! فقلت: فقط هذا السبب ؟ قال: نعم، ! فضحكت وقلت له كيف تحكم عليه وتكرهه بسبب كهذا ألا تعلم أن الشيطان إذا لم يستطع أن يفرق بين المسلمين في الواقع عمل على ذلك في الحلم والمنام . ولابد أن تعرف أن الشيطان يعمل ليل نهار في التحريش بين المتحابين والمتقاربين كما أشارة الآثار على ذلك، فيجب التنبه وأخذ الحيطة وطرد تلك الأفكار اللاعقلانية ونبذها، ليعيش الانسان محباً ومحبوباً بين أهله وأقرانه وزملائه.

* نشرت المقالة في مجلة الحماية الانسانية 6/2014

مشروبات الطاقة، تقتل الأطفال بلا رقيب..!



د. عبدالله عبدالعزيز المنيع 


     ما يكاد يمر يوم من الأيام إلا ونفاجأ بمشكلة صحية بدأت تكشر عن أنيابها وتفتك بهذا المجتمع المغلوب على أمره ، والغريب في الأمر أن المشكلة تزداد يوماً بعد يوم و تنخر في هذا الجسد ولا تكاد تسمع جهة رسمية تتخذ قراراً يحد من هذه المشكلة أو تحذر منها ، وإذا ما حصل شيء من ذلك فقد أسمعت لو ناديت حياً ..
   ( أطفالنا) مستهدفون من كل حدب وصوب وخاصة أن(تجارنا) لا يسألون عما يفعلون ، فما نكاد نفتر قليلاً من الحرب الأخلاقية والفكرية والنفسية ووالخ، حتى وإذا بها تدور الدائرة وكأن الكل ينتظر أن ينال نصيبه من هذا الطفل المسكين، الذي أرهقوه فكرياً ونفسياً وصحياً وأخلاقياً حتى أصبح بلا رائحة ولا طعم ..ليس لديه هوية ولا شخصية ، فأصبح مريضاً منهكاً مقلدا وأخيراً صنع من هذا الطفل دمية يصنع بها كل شيء وحقل للتجارب الطبية والغذائية والصناعية والإعلامية ، بلا حسيب أو رقيب ... مسكين أيها الطفل ولكن من هو هذا الطفل ، انه ابن وابنك رجل المستقبل وأم المستقبل ، فهل نرضى أن يكون أباء وأمهات الجيل الجيل ورجاله أجساد مريضة وعقولا خاوية ،،، نعم نرضى ونحن نعلم بأن كثير من ما يتم منعه وحجبه والتقصي بآثاره يجد طريقاً الى اسواقنا بسهولة سواء كانت تجارية ام صحية او غيرها...

     مشروبات الطاقة  .. تحدث الكثير عن هذه المشكلة التي كلما تم التحذير منها وجدت طريقها الى الأسواق أكثر هدواً و يصنع لها الدعاية التي تبثها القنوات الرسمية والغير رسمية ؟ يقول استشاري الأطفال ورئيس قسم الطوارئ والإسعاف في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث خلال محذرا من هذه المشروبات يقول :عملنا في أقسام الطوارئ تأتي حالات كثيرة من الأطفال والمراهقين بأعراض تتعلق بارتفاع مادة الكافيين والتي تزيد عن معدل ما هو موجود في المرطبات والتي تصل إلى 20 ضعفاً في بعض تلك المشروبات ومن الأعراض الناتجة عن ارتفاع معدل مادة الكافيين في الدم عند هؤلاء الأطفال والمراهقين التي تتمثل في ازدياد دقات القلب تصل إلى 150دقه في الدقيقة وارتفاع في ضغط الدم وزيادة تدفق الدم للعضلات وتقليل كمية الدم إلى الجلد وهذا ما نلاحظه من شحوب في الوجه في حالات التسمم .
     وعن كيفية زيادة الطاقة من هذه المشروبات أوضح أحد الأطباء أن ذلك ليس سراً، حيث تحتوي على كمية كبيرة من السكر سريع الامتصاص (الجلوكوز) مما يعطي طاقة عالية، فحسب المدون على تلك العلب فإنها تحتوي على: الطاقة 45 سعراً حرارياً لكل 100مل (أي 112- 120كيلو سعر لكل علبة 250مل)، والكافيين (المخدر). ومن أراد بديلاً لذلك السكر فليأكل قليلاً من العنب أو يشرب عصيره ويكون بدون آثار جانبية. تحتوي تلك المشروبات على الكافيين وبنسبة كبيرة جداً 32ملجم لكل 100مل مشروب (أي 80ملجم في العلبة) وبعض تلك المشروبات لم يحدد فيها كم نسبة الطاقة أو الكافيين كلنا نعرف ضرر الكافيين، وهي مادة مخدرة تسبب نوعاً من الادمان والذي لا يعرفه الكثيرون أن تلك المشروبات تسبب القلق بعد فترة من تناولها بسبب الكمية الكبيرة من الكافيين، فبعد فترة من الزمن يستهلك الجسم الكافيين.
     فتقل نسبته في الدم بعد تخلص الجسم منه فيؤدي ذلك إلى حالة من القلق، وتلك حالات مشابهة لتأثير المخدرات، لو تزداد الكمية لأدت بالتأكيد إلى عدم انتظام ضربات القلب، ومشاكل النوم، وبعض الأعراض النفسية (الانسحابية) والصداع، وأكدت الدراسات الطبية بأن هذه المشروبات تساهم في ارتفاع ضغط القلب وزيادة نسبة السكر في الدم والأرق وآلام الصداع والقلق ونزيف الأنف والنوبات المرضية، ومشاكل تسوس الأسنان، وتقليل الاعتماد على النفس كأحد التأثيرات النفسية للمواد المخدرة.
     وإذا أردنا أن نعرف ضررها الذي تعترف به تلك الشركات بل تكتب تلك التحذيرات على العلب، مثل (غير مناسب لمرضى السكر، ومرضى الحساسية ضد الكافيين)، وبعضها يضيف مرضى القلب، والحوامل.
     من أكثر المشاكل التي تسببها تلك المشروبات وأيضاً بسبب الكافيين هو زيادة التبول لأن الجسم يعامل الكافيين كمادة سامة فيتخلص منها في وسط مائي فيطرد كمية من الماء يحتاجها أصلاً، ولكن التخلص من الكافيين أهم فيؤدي ذلك إلى الجفاف، وكانت السلطات السويدية قد حذرت رسمياً من تعاطي أحد المشروبات مع الكحول بعد وفاة امرأة سويدية متأثرة بنضوب الماء من جسمها الصيف الماضي. وأضاف: إن المشكلة في بعض الشباب يشربونها قبل المنافسات الرياضية اعتقاداً منهم أنها توفر لهم النشاط، وإن وفرت بعض الطاقة إلا أنه ثبت أن شرب علبتين في يوم واحد يؤدي إلى القلق. وعندما تتناول الحامل أكثر من 100ملج كافيين في اليوم فإن ذلك يؤدي إلى الإجهاض، وكما ذكرت معدل احتواء تلك المشروبات 80 ملجم للعلبة. وطالب أحد الأطباء بضرورة التوعية وتفادي استخدام مشروبات الطاقة وخاصه ممن يعانون من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى أو يعانون من القلق ونوبات الذعر أو النساء الحوامل أو المرضعات. إن مشروبات الطاقة الشائعة بين الشباب تكشف بنفسها عن مكان خطورتها من خلال إعلاناتها.
   ونحن نقول من المسؤل عن هذه المشكلة إذا كانت جهات رسمية تحذر ، وجهات أخرى لا تأبه وكأن القرار لا يعنيهم والتجار يستوردون بدون أي رقيب أو حسيب، وهل رخص أطفالنا ورخصت صحتهم إلى هذه الدرجة يا معالي وزير التجارة .

* نشر المقال في مجلة الصحة العربية / في 5/2012

محركات الأمل



د. عبدالله عبدالعزيز المنيع

    الألم والأمل شقيقان وقريبان من بعضهم قرب السبابة للوسطى، ولكنهما بعيدان بعد المشرق من المغرب..! نعم هكذا هي الحياة، فألامك مهما قست عليك وامتلأت دواخلك من نيرانها، فنفحة من أمل قد تطفيء تلك اللواهب الحارقة، والآلام المضنية، والمصائب المتابعة..
 بل العجيب في الأمل الصادق ، أنه صنع المعجزات، وصدق الأحلام وأقام الثروات، وحقق الأمنيات، وأبعد الألام والنكبات..
 ولكن.. الأمل أشبه ما يكون، بعربة الحصان المحملة بالخيرات؛ ولكن إذا لم تجد تلك العربة من يدفعها أو يجرها فهي ماكثة في مكانها، وإن كانت النظرة إليها شيء جميل، ولكنك لو حشدت ملايين النظرات فلن تزحزح عربة الأمل من مكانها -  بعد التوكل على الله -  إلا أربعة أركان أساسية إيجابية هي العمل بإخلاص صادق و الصبر بحكمة والاستمرار بثبات ومساعدة الآخرين ! نعم إنها كالإطارات التي تجري عليها تلك العربة لتحقق المأمول وتنال المعقول، قال الله تعالى:}  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{ ...
إذا فالأمل ليس مجرد كلمة أو معنى يرردد دون أن يكون له معاني ومحركات فالأمل (الصادق) هو مجموعة الإيجابيات منذ بدأت المشكلة حتى إنفراج الأزمة، فالصبر أمل والتخطيط أمل والمشاركة أمل والعمل أمل والإخلاص أمل وإحراز التقدم أمل وهكذا..، وأساس الأمل من الانسان نفسه مثل الصبر والإستمرار، وبعضه ممن حولك من المخلصين والمحبين الصادقين وكذلك من غيرهم وإن لم تكن هذه صفاتهم، ولكنهم يأخذون ويعطون بقدر الأخذ – فهذا عدل - كالتشجيع والمشاركة و المساعدة ...
 فقد أوجد الله لكثير من الأنبياء والصديقين أناس أوفيا كانوا نعم المعين والصديق القائم على احتياج رفيقه حتى وإن كان مؤيداً من الله سبحانه وتعالى! فسبحان الله وكأنها إشارات إلهية للأنبياء والرسل فضلاً عن بقية البشر بأن من سنن الحياة  أن لا ينال الإنسان مراده إلا بعد جهد وصبر وعمل جاد ومساعدة وتعاون ممن حوله بقصد خالص منهم أو بقصد  تبادل المنافع ..، وليس أدل على ذلك كثير من الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك نبي الله إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، فالأول قال: } اجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي{، وهي ما تسمى حزمة (الأمل)، وجميع ذلك يحفه المخاطر والتعب بأنواعه وهو ما يسمى بحزمة ( الألم ). ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيده الله بجمع من الصحابة الأخيار الذين كانوا نعم الصحب والناصر، وخص أبا بكر رضي الله عنه بالصحبة فقال عز وجل} : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ..{، إذن فإذا اجتمعت حزمة الأمل هذه فقد تحقق لهم ما يريدون، قال صلى الله عليه وسلم  :" تفائلوا بالخير تجدوه".



*نشرت هذه المقالة في مجلة عالم الاعاقة عدد فبراير 2014 

اهتمامي طريق إبداعي ؟



د. عبدالله المنيع *

عندما سألت أحد المبدعين وهو شخص موهوب فعلاً، لماذا لا تنجز شيئاً من طموحاتك، ألا ترى بأنك تتعثر في جوانب ذات أهمية خاصة لك كتطوير قدراتك ومشاريعك وطموحاتك! برغم أنك تشارك كثيراً بآراء وطروحات نيرة لكثير من الناس...
لم يفكر كثيراً بالإجابة فقد بادرني قائلاً : " صحيح كلامك ولكن السبب الذي جعلني وجعل غيري من المبدعين والموهوبين غير منجزين ومظهرين لإبداعاتهم أنه لم يعرف قدر الموهوب كما يجب! وكما يقدر الموهوب في بلاد الغرب والشرق!، و يجب أن يتم النظر في إستراتيجية التعليم والسياسة، ويجب أن يغير هذا الوزير أو ذاك المسؤول ! بل يجب أن يتم كذا وكذا ...، ثم أسهب في هذا الجانب وأختتم حديثه قائلاً : أعرفت السبب الحقيقي لإحباط المبدعين والموهوبين في بلادنا العربية ؟ ، قلت : نعم ربما أدركت السبب!، وغادرته وأنا أتأمل بهذه الطريقة من التفكير الضيق..
بعد تأمل وجدت بأننا مبدعون فعلاً بهدر الطاقات بدون فائدة ، ونحن موهوبون بالقضاء على أحلامنا وخططنا الطموحة بأنفسنا!! ومبدعون بإسقاط مشكلاتنا على كل من هب ودب...
 أخي المبدع: لا يمكن لك أن تتعدى حدودك التي قدرها الله لك، بل قد يكون من المستحيل فعل ذلك، فمثلاً هل يستطيع شخص أن يوقف السيل بالكلام بل هل يصح أن يتهم السيل والمطر بأنهما سبب لعدم إكمال بناء بيته أو هدم جدرانه، ونفوق ماشيته؟! لا لن يستطيع أبداً فهذا القرار ليس بيده، وهل يقف يسب الدهر والزمان والمكان، ويجمد طاقاته وإبداعاته بسبب هذا الأمر أو ذاك!!
 ماذا يصنع إذاً؟ ببساطة يغير ما يستطيع هو تغييره، يغير نفسه هو، لأن لا يستطيع تغيير العالم من حوله، يغير موقع بيته في ربوة بعيدة عن مجرى السيل مثلاً أو لا يبني وقت الأمطار أو بإمكانه وضع أساسات قوية و مجرى للسيل تحت المنزل، وإذا كان المطر يفسد البناء، فليخطط للبناء في مواسم توقف المطر! ويمكن فعل الكثير ولكن في دائرة قدراته هو فقط ولو عمل لأنجز.
فلماذا تريد تغيير العالم وتحل مشاكله وتغير الاستراتيجيات والسياسات بل والوزراء والإعلام والتعليم .. إلخ من أجل أن تتغير أنت أو تتغير ظروفك وطموحك للأفضل! أو لأجل أن تظهر ابداعاتك وانتاجاتك!، فإنك لو أردت ذلك لما تهيأ لك أبداً.. ، فالتغيير للأفضل يبدأ بك أنت ، فهل أنت تعمل لتنظيم حياتك وتطويرها، هل سألت نفسك ما هو طموحي ؟ وماذا أفعل اليوم وفي المستقبل؟ هل خططت لحياتك لتكون جزءاً من النجاح؟! وأسئلة كثيرة يجب أن تفكر بها وتتأملها تدور جميعها حول إصلاح نفسك أولاً.
إن انشغال الكثير بمشكلات الآخرين أو بمشكلات الوطن و العالم وتفكيره بها أصبح مرضاً قاتلاً للإبداع، فالبعض أحال مخه الصغيرة إلى حكومة ضخمة تتابع مشكلات الدين والسياسة والاقتصاد ومشكلات التجارة والعمالة والتعليم.. إلخ، وأصبحت النتيجة أنه علق جميع مشاكله وربط حلول حياته وأسرته بل ومستقبله بالحلول الكبرى للدولة بل لدول وأقاليم؟ يصعب على حلها منظمات ودول عظمى .. فأنى له أن يجد الحل!, وقد قيل لأحد الحكماء بماذا تهزم أعداءك ؟ قال : " بإصلاح نفسي".

 إن مشكلات الحياة وضيقها سواء على مستوى السياسة أو الاقتصاد أو أي شأن من شؤون الحياة هو تدريب للانسان وخاصة للموهوبين وصقل لإبداعاتهم، فإن من يشكو من مشكلات الحياة وظروفها وُيسقط أسباب كسله وفشله وعدم محاولته على ظروف ليست بين يديه .. ثم يتوقف منظراً للوضع أو منتظراً لتغيرات ليس بدائرة قدراته كمن يحفر قبر إبداعاته بنفسه.


نشرت المقالة في مجلة عالم الموهوبين/ مارس 2011

كن جميلاً..!




د. عبدالله بن عبدالعزيز المنيع

العبارة التي عنونت بها هذه المقالة هي جزء من مثل سائد أو معروف يحث على التحلي بمكارم الأخلاق بعبارة الجمال الجامعة فيقال:(كن جميلاً ترى الوجود جميلا)، ولا شك بأن الجمال يكمن في كل شيء كما أن القبح يكمن في أي شيء كذلك .
ولاشك بأن أفضل الجمال وهو المقصود بهذه العبارة هو جمال الروح والنفس والأخلاق وحسن التعامل، وهو جمال الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، جمال يعكس الفكر والعقيدة والتأمل،
(كن جميلاً) بداخلك لا تحمل حقداً ولا غلاً وحسداً يفسد عليك جمال الحياة،..(كن جميلاً) بالرفق والرحمة للصغير والاحترام والتوقير للكبير، (كن جميلا) بجسدك بالنظافة والتطيب وحسن اللباس وجمال المظهر وتهذيب الشعر والأخذ بسنن الفطرة (كن جميلا) بالبعد عن الخبائث وترك مواطن السوء والغيبة والنميمة والشك والريبة والوساوس تجاه الآخرين، (كن جميلاً) يحب الآخرين ويساعدهم ويتمنى لهم الخير لا لشيء إلا كفعل خير دون مقابل لأنه وببساطة انعكاس لجمال روحك وعلو نفسك التي تريد الخير لكل أحد والأقربون أولى بالمعروف.
(كن جميلاً) لا تكذب وتنافق  وتأخذ الرشاوي أو تؤديها ثم تنتهك حقوق الآخرين وترتقى على ظهورهم..
وأخيراً ليس من اللائق أن يكون الانسان ذكرا كان أم انثى يتحلى بجمال خارجي مادي كحسن اللباس والمظهر – ويتزين ببعض القيم العامة المزيفة - وهو قبيح بعاداته وقيمه وسلوكه، فتجده يكذب، يغش، ويشهد الزور وينافق ..ولايتوانى أن يأكل الحرام.. والأنكى أن يكون ظالماً وهو يعلم كبر جرمه وظلمه لغيره!
 أما القبح كل القبح أن يكون هذا الانسان قبيح داخلياً  ومتزين أو متلبس بالدين ومظاهره خارجياً كاللحية ومظاهر الالتزام الديني، وقد يكون قاضياً أو داعية أو مصلح ديني وهو ينتهك حقوق جمال النفس التي هي من أسس مكارم الأخلاق التي بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليتممها ، ويعلم بأنه ينتهكها ثم يحلل ويبيح لنفسه فعلها، فيكون مفسداً على ثلة ممن هم أهل الصلاح والعلم والأخلاق والأدب الصادقين، فضلا عن افساده لنفسه وللمجتمع.

* نشرت هذه المقالة في مجلة العالِم نوفمبر 2013

الأحد، 23 يوليو 2017

الشخصية السيكوباتية

الشخصية السيكوباتية

د. عبدالله عبدالعزيز المنيع

تراه في هيئته وتعامله مع الآخرين وديعاً تعلو وجهه ابتسامة، ذو مظهرملتزم ، تتمنى أن يكون هذا صديقاً لك أو على الأقل قريباً أو جار تعرفه .. يمتدح نفسه ببطولاته وأنه لا يعرف إلا طريق الصلاح والعفو، خاصة مع مخالفيه..! فما بالك بأهل وأقاربه؛ فإنك تغبطه على طريقة تعامله معهم- إذا كان هذا تعامله مع الناس فمؤكد أن تعامله مع اهله وأبنائه وزوجاته واخوانه وحتى والديه سيكون جنة من الخلق واللطف والأمانة...؟ - ولكنك ترى عجباً عندما تكتشف وجه العملة الآخر! ذلك الوجه القبيح لهذا الانسان الهاديء المبتسم، الحنون المتلبس بالاستقامة !؟ .

أعلم أن البعض سيتعجب من هذا التناقض وهذه الازدواجية الغريبة في الشخصية، وكيف يجتمع وجه سمح متسامح يدعوا للخير والفضيلة في مكان ومع أناس وخاصة إذا كانوا من أهله، كزوجته وأبنائه واخوانه، واقاربه واصدقائه..، بل مع والديه في أحياناً كثيره.. ، مع وجه شرس يستلذ بالظلم لهم وخاصة للضعفاء من حوله لأجل شهواته وآراءه ويبيح ويعلل لنفسه ما يشاء بكل صفاقة ووقاحة؟ ولديه الاستعداد أن يفقد بكل سهولة أياً منهم لأجل شهواته، ولأجل تحقيق اختياراته الكارثية !
ولكن هناك مجموعة أخرى من (المظلومين) يعون ما أقصد من هذا القول وهم أولئك الذين يكتتون بنيران تلك الكائنات المفترسة التي تنتمى للبشر؟ وقديماً قيل اقتلني مرة ولا تطعنني طوال الوقت

عندما تأملت تلك النوعيات من البشر( الشخصيات السيكوباتية) وجدت بأنهم يتميزون بسيكولوجيات متشابهه وصفات قريبة من بعض، ومن أهم تلك الصفات الوسواس والشك ، الغرور والكبرياء، التناقض المكشوف، إذا وعد أخلف،وإذا أؤتمن خان، التسرع باتخاذ القرار والتراجع عنه ، التضخيم، الكذب والمبالغة، التسلق على أكتاف الآخرين، التلذذ بالظلم او فرض السيطرة على الضعفاء والمساكين ممن لا حول لهم ولا قوة حتى على النساء والأطفال.

والسيكوباتي كثيرا مايكون متخفياً كذئب في جلد حمل وديع، وقد يكون ظاهراً يمارس سيكوباتيته بلا تحفظ ولا أجد ممن يمكن أن ينطبق عليه صفات الشخصية السيكوباتية ظاهرة كالمجرمين القتلة ومروجي المخدرات والمبتزين ومثل المنحرفين جنسيا المتحرشين بالأطفال من الجنسين والنساء، وهذا الأخير لديه شغف وانحراف جنسي عدواني لتحقيق مراده عبر ضحية بريئة بالتحرش والعنف قد يصل للإبتزاز والقتل ، وهو يستخدم كل ذكائه لإسقاط ضحيته بغض النظر عن جنس أو عمر أو هيئة وسلوك الضحية، ولكنه لاشك كالذئب يأكل من الغنم القاصية، حيث يجدها ضحية سهلة، وإذا ما وجد دونها موانع يتراجع لأ لا يفضح نفسه!

يقول أحد المتخصصين :" وهو عذب الكلام , يعطى وعوداً كثيراً , ولا يفى بأى شىء منها عند مقابلته ربما، تنبهر بلطفه وقدرته على استيعاب من أمامه وبمرونته فى التعامل وشهامته الظاهرية المؤقته ووعوده البراقة , ولكن حين تتعامل معه لفترة كافية أو تسأل أحد المقربين منه عن تاريخه تجد حياته شديدة الإضطراب ومليئة بتجارب الفشل والتخبط والأفعال اللاأخلاقية ، ويوجد نوعان من الشخصيات السيكوباتية:

1. السيكوباتي المتقلب العاجز: وهو كثير الشبه بالشخصية العاجزة ولكنه يزيد عليها الأنانية المفرطة، فهو لا يستقرعلى عمل، ويتخلل أعماله المشاجرات والمشاحنات، وقد تتعدد زوجاته دون تحمل أي مسؤولية لرعايتهم، أو الإخلاص لأحد غير نفسه ولذته، وعلى الرغم من الحماس والعاطفة التي يظهرها إلا أنها سرعان ما تتبخر مع قضاء مراده!

2. السيكوباتي العدواني المتقلب الانفعال: وهو أقل شيوعاً من النوع الأول وأكثر منه سوءاً، على سوء الأول، لأنه قد يدوس على كل شيء في سبيل تحقيق ما يريد، بما في ذلك القتل، ولا يهمه مصائب الآخرين أبداً ما دام بعيداً عنها، وله ذكاء خاص يتحايل به، وقد ينجح بعض هؤلاء في الوصول إلى بعض المناصب الكبيرة نظراً لانتهازيتهم وذكائهم الذي لا يعبأ بأي خلق ولا يتورع عن أي عمل يوصله لما يريد...

أخيراً علينا أن نعي أيضا إن كل إنسان منا لديه قدر من السيكوباتية -ان صح التعبير- بدرجة ما (ولو كانت قليلة جداً) يريد بها أن يحقق نوازعه ورغباته، ولكن اغلبنا يستطيع أن يسيطر عليها ويتجنبها في كثير من الأحيان ولكن إذا راجعنا سلوكياتنا فسوف يكتشف البعض منا أننا جميعا قد نحمل في أنفسنا بعضا من هذه الصفة لبعض الوقت.. وهنا يجب علينا أن نكون أمناء مع أنفسنا وان نحدد هذه الأوقات التي نتحول فيها جزئيا إلى سيكوباتيين وان نقوم هذه الصفة في النفس وذلك من خلال تدعيم الدين والأخلاق والأعراف والقيم والاحترام المتبادل وتجنب الظلم والعمل بالمنهج النبوي العظيم والرحيم والذي يحث على البر والتقوى ومكارم الأخلاق والبعد عن الظلم والفحش ومساويء الأخلاق.


فبراير2011


    *تويتر / د. عبدالله المنيع      @Dr_manea     

السبت، 22 يوليو 2017

سيكولوجية إدارة الأزمات

سيكولوجية إدارة الأزمات

د. عبدالله عبدالعزيز المنيع

يعيش الانسان في هذه الدنيا متقلبا مابين الفرح والحزن والألم والأمل والضحك والبكاء والفوز والهزيمة والمرض والشفاء والفقر والغناء وبقية متناقضات الحياة.. ولكنها تتفاوت بين الناس حسب مقادير الله لهم ، فهي تتفاوت في حدتها وأثرها وكذلك في مدة بقاءها..
ولاشك بأن المشكلة-أي مشكلة- كانت سوف تلامس جانب مهم من جوانب حياة الانسان النفسية أوالاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية أوغيرها..،ولكنها في المجمل ستؤثر على الحالة النفسية بطريق مباشر أو غير مباشر، مما يجعل الانسان يفكر في إدارة أي مشكلة أو أزمة سواء تتصل أو لاتتصل مباشرة بالجانب النفسي بعمل خطة تدخل ذاتي أو جماعي أو مجتمعي لتجب حدوث أضرار نفسية مما يعقد الحلول ويعطل الطاقات ويفسد الأجواء النفسية والأسرية والاجتماعية .
وحتى نبسط الكلمات نقول بأن هذا ما يقصد به (بسيكلوجية إدارة الأزمات) فالسلوك الانساني يحتاج إلى التكامل والبناء المشترك بين الظواهر الاجتماعية والنفسية والجسدية والحياتية ككل للوصول إلى إدارة الأزمة ومحاصرتها كما قلنا كي لا تصل لمرحلة المرض النفسي المؤثر على حياة الانسان.



وعلى ذلك ذكر بعض المتخصصين ان علينا ان نسأل أنفسنا مع كل أزمة عددا من الأسئلة مثل: 
- متى : متى حدثت الأزمة ؟ متى علمنا بها ؟ متى تطورت أبعادها ؟! 

- من: من سبب الأزمة ؟ من المستفيد منها ؟ من المتضرر منها ؟ من المؤيد لها ؟ 
من المعارض لها ؟ من المساند ؟ من الذي يوقفها ؟ ...الخ 

- كيف: كيف بدأت الأزمة ؟ كيف تطورت ؟ كيف علمنا بها ؟ كيف تتوقف ؟ 
كيف نتعامل معها ؟ 
- لماذا: لماذا ظهرت الأزمة ؟ لماذا استفحلت ؟ لماذا لم تتوقف ؟ لماذا نحاربها ولا نتركها لحالها ؟ 
- أين: أين مركز الأزمة ؟ إلى أين ستمضي ؟ أين مكمن الخطر؟ إلى أين يتجه الخطر؟ 
هذه الأسئلة تحتاج الى إجابات ومن خلال هذه الإجابات نضع السيناريو المناسب للتعامل مع الأزمة والسيناريو يجب ان يضع في الاعتبار الأبعاد التالية: 
1. البعد المعرفي:
أي بما يتضمنه من استخدام للذاكرة والإدراك ( الوعي ) والخيال الوعي الإبداعي المعتمد على الذاكرة 
2.  البعد الوجداني:وخاصة الجوانب الدافعية المحركة للازمة والدوافع المؤدية التي توقفها. 
3. البعد الاجتماعي:أي المتعلق بالمجتمع والإعلام والاقتصاد والسياسة وكل ما يمكن ان يؤثر او يتأثر بالأزمة 
4. البعد التعبيري : وهو كل ما يتم من ممارسات ذات إيقاع معين ، ونتائج على فدرمن الاذى للمتضررين والمتعة لصانعي الأزمة ومن خلال تفعيل هذه الأبعاد في امكان الإجابة على التساؤلات المطروحة عن الأزمة تتحول الأزمة إلى مجرد مجموعة من المشكلات الصغيرة يمكن التعامل معها.


*تويتر/ د.عبدالله المنيع:   Dr_manea@