الثلاثاء، 18 أكتوبر 2016

نبذة عن الاكتئاب في التاريخ واللغة والقرآن والسنة وعلم النفس


بقلم د. عبدالله المنيع 

(1) لمحة تاريخية:
  يستخدم مصطلح الاكتئاب على نطاق واسع في اللغة العربية والإنجليزية بل وفي لغات أخرى، للتعبير عن الاكتئاب النفسي، وقد وصفت (Medina1995:8):" الكآبة الإنسانية وُصِفتْ كمرض في الكتب الدراسية الطبيةِ المصريةِ منذ أكثر مِنْ 5.000 سنةً قبل الميلاد ، وقد ذكرت (الكآبة الإنسانية) في كتاب التوراة أيضاً " .

وأرجع أبوعلي ابن سيناء في كتابه " القانون " الكثير من أمراض النفس وأثرها على الجسد فقال:أن الأفكار المتسلطة (الوسواس القهري) و الاكتئاب والغضب والشهوة والأرق والبكاء بأنها، أنها تؤدي إلى خلل في نبض الدم وإلى علة في البدن .

  و في العـصر الحديث نشط البحث العـلمي في مجال الطب النفسي بصفة عـامة, وحاول العـلماء تفسير ظواهر الصحة والمرض النفسي ، وظهرت النظريات الحديثة للعلل النفسية.
 حيث يعتبر العالم  "كربلين" أول من فصـل حالات الاكتئاب والهوس عن الفصام , ورجح وجود أسباب عضوية لها،(الشربيني،2001م : 23)، ثم جاء عالم النفس الشهير " فرويد " بنظرياته التي أحدثت ثورة في كثير من المفاهيم السائدة بغـض النظر عن ما تعرضت له فيما بعد من نقد و تعـديل ، وقد تبني فـرويد نظرية تقوم على أن السبب الأساسي للاكتئاب هـو سبب نفسي يرجـع إلى فقد شيء ما يعـني ذلك للفـــرد.

 (2)  الاكتئاب في اللغة العربية :
 يُعرف الاكتئاب في اللغة بمادة " الكأبُ و الكأبة ُ والكآبة ُ: الغم وسوء الحال، والانكسارُ من حزن ٍ، والكأباءُ: الحزن، ورمادٌ مكتئب:ضاربٌ إلى السواد"،(الفيروز آبادي، 1987م :164)    وذكر صاحب المنجد،(1997م: 668) في مادة كأب قوله: " كـَـئِبَ ـ كـَأ ْباً و كـَأ ْبة ًو كـَآ ْبة  : كان في غم وسوء حال وانكسار من حزن ، فهو كـَـئِبَ و كـَـئيِبُُُ ُ ويقال على المجاز: أرضٌ كئيبة الوجه ، أي ضاربة على السواد كما يكون وجه الكئيب " ويقال كئب بمعنى تغيرت نفسه وانكسرت "من شدة الهم والحزن "،(الحنفي،2003م:198) .
وذكره أيضاً ابن منظور صاحب لسان العرب ، وذكره ابن القيم عندما بين بعض حال العاشقين ووصفها بالكآبة وأنها حزن وانكسار وهم  وغم،(ابن القيم، 2003م : 21).

(3)  الاكتئاب  في القرآن والسنة :
مما لا شك فيه أن القرآن الكريم فيه علاج لجميع الأمراض العضوية والنفسية ، وهذا مجرب ومعروف قال تعالى :{يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }]يونس : 57[ .

وقال تعالى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى }[طه:421] أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }[طه:421] أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره (2004م).

وجاء ذكر الكآبة في القرآن الكريم والسنة بمعنى الهم والحزن والنصب والوصب، أي بالمعنى اللغوي المفسر للكآبة، وقد بين المفسرون لهذه الآيات أنها الكآبة، وجاء المعنى بلفظ الكآبة صريحاً، كما في التالي:

 ذكر ابن كثير في قصة يوسف الكثير عن أبيه وحزنه عليه، فقد نقل عن سعيد بن جبير أنه قال: ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام {وَقَالَ يا أَسَفا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فهُوَ كَظِيمٌ }[يوسف:48] أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره. وقال الضحاك: فهو كظيم كئيب حزين. 

  ونقل ابن حجر العسقلاني (1981) في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري قوله :  قال أبو عبيدة في قوله تعالى} فإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ{ " المبلس الحزين النادم، قال رؤبة بن العجاج ” وفي الوجوه صفرة وإبلاس ” أي اكتئاب وحزن .

وكان يحزن رسولنا الكريم أحياناً وقد جاء في أكثر من موضع وصف الصحابة حالة بالكآبة، كما جاء عند أحمد(1999م) عن أسامة بن زيد قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة فسألته ماله؟ فقال: لم يأتني جبريل منذ ثلاث..".

ولكن لم يكن حزن الرسول الكريم إلا لسبب يزول بزواله فقد نقل القرطبي  أن الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور الوَلْولة وشقّ الثياب، والكلام بما لا ينبغي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَدمع العين ويَحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ». 

وجاء في حديث الحجاج بن عليط في مسند الإمام أحمد(1999م) عندما علم أهل مكة بفتح خيبر ونصرة المسلمين ـ بعدما كانوا في حزن شديد ـ يقول: " فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئباً حتى أتو العباس، فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون، ورد الله ما كان كآبة أو غيظاً أو حزناً على المشركين».

وجاء في الحديث الصحيح عند البخاري(1998م؛ مسلم 1981م) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا وصب ولا نصب ، إلا يكفر الله به عنه سيئاته " قال الراوي الغم والوصب والنصب أي حزن وكآبة وتعب .

 (4)  الاكتئاب في علم النفس :

أما في المجال النفسي، فإن لمصطلح الاكتئاب أكثر من معنى لكنها رغم عدم التشابه فيما بينها في كل الأحوال تدور حول نفس المفهوم حيث يعرفه بيك (Beck,1979:105) بأنه " مجموعة من الأعراض السلوكية التي تتسم بهبوط في النشاط الحركي واللفظي يصاحبه نوبات بكاء وحزن ٍ وتدن ٍ في اعتبار الذات وأرق وفقدان الاهتمام بالأشياء ".

ويقول عنه بيك أيضاً إنه " حالة انفعالية تتضمن تغيراً محدوداً في المزاج مثل مشاعر الحزن ، والوحدة ، واللامبالاة ، ومفهوماً سالباً عن الذات ولومها وتحقيرها ، والرغبة في عقاب الذات ، والرغبة في الموت والهروب والاختفاء ،وتغيرات في النشاط "،(في الشهري1996م: 15).

ويعرفه الأنصاري( 1983م:65 ) بأنه "حزن عميق مستمر، قد يحدث نتيجة حادث خارجي كموت إنسان عزيز، وقد يكون أحياناً مجهول السبب..".

ويقول  " إن المشكلة الكبيرة في هذا المضمار هي أن الظواهر التي يحتويها مرض الاكتئاب ما هي إلا مزيج من الاضطرابات الفسيولوجية أساسا و بعـض من مجموعـة عقد لأعـراض هذه الاضطرابات الفسيولوجية و النفسية بالإضافة إلى أنماط من السلوك المعتاد و غير المدرك واللذين قد يؤديان بالمريض إلى حالة من الحزن المتكرر (ليفت ولوبين، 1985 م :10).

ويعرف إنجرام (Ingram,1994:113) الاكتئاب أنه " اضطراب (مزاجي أو وجداني) يتسم بانحرافات مزاجية تفوق التقلبات المزاجية الأخرى " .

كما عرفه الحاج (1997م:67) أنه " حالة من الحزن الشديد المستمر يبدو الشخص وكأنه في حداد دائم و الكآبة واضحة على قسمات وجهه نتيجة ظروفه المحزنة الأليمة، وقد يخيل إليه بأنه مصاب بأمراض فتاكة لا أمل في شفائه منها أو أنه يعتقد بأنه ارتكب خطيئة ولا أمل له بالغفران".

ويرى عبدالسلام، (1997م) أن الاكتئاب " حالة تصيب الجسم كله وأيضاً الذهن والمزاج والسلوك من الحزن والضيق، فهو يؤثر في النوم وشهية الأكل و كذلك يؤثر في انطباع المريض عن نفسه".

ويرى عكاشة أن الاكتئاب " أحد الاضطرابات الوجدانية التي تتسم بحالة من الحزن الشديد، وفقدان الحب وكراهية الذات، والشعور بالتعاسة، وفقدان الأمل ، وعدم القيمة ، ونقص النشاط ، والاضطراب المعرفي ، متمثلاً في السلبية للذات ، وانخفاض تقديرها ، وتشويه المدركات ، وتحريف الذاكرة ، وتوقع الفشل في كل محاولة ، ونقص الفاعلية العقلية " (نقلاً عن الهاجري،1998م:8) .

ويذكر الأنديجاني ( 1999م: 14) تعريف الاكتئاب عند الأطفال بأنه " حالة نفسية تتصف بالكسل وهبوط الوظائف الفسيولوجية، وشعور بالفشل، نتيجة لعوامل بيئية محزنة واضحة الأسباب أو غير واضحة الأسباب يشعر بها الطفل دون سبب مباشر ".

ويعرفه ويلس وماركس، ( 2000م: 32) بانه " اضطراب مرضي في المزاج يشبه الحزن أو الأسى ويوصف بأنه استجابي (reactive) عندما يمكن عزوه إلى سبب معين، وبأنه ذاتي المنشأ(Endogenous) عندما يظهر على نحو غير متوقع. ويرافق تغير المزاج اضطراب في النوم والنشاط والتفكير.

ويعرفه الشربيني، ( 17:2001).أحد التقلبات المعتادة للمزاج استجابة لموقف نصادفه في حياتنا يدعو إلى الشعور بالحزن والأسى، أو قد يكون مصاحباً للإصابة لأي مرض آخر.."

ويعرف زهران (2001م: 514 ).الاكتئاب بانه" حالة من الحزن الشديد المستمر نتيجة الظروف المحزنة الأليمة، وتعبير عن شيء مفقود، وإن كان المريض لا يعي المصدر الحقيقي لحزنه ".

ويعرفه إيدلبيرج Eidelberg بأنه " عرض عصابي يتسم بتناقص الاهتمام بالعالم الخارجي وتزايد العدوان الموجه ضد الذات، مع نقد الذات والشعور بالإثم والندم، ومعاقبة الذات "،(في النمري، 1422هـ: 39).


ويعرفه عكاشة أنه " مزاج سوداوي واكتئابي وإحساس المريض بعدم الرضا، وعدم القدرة على الاتيان بنشاطه السابق، ويأسه من مواجهة المستقبل، وفقد القدرة على النشاط، وصعوبة في التركيز والشعور بالإرهاق التام مع بعض أعراض القلق ، وأحياناً أعراض هستيرية ، وكثيراً اضطرابات في الشخصية "(  نقلاً عن الثقفي،1998م:22 ) .
 ولا شك بأن الاكتئاب هو مجموعة من المشاعر والأحاسيس النفسية التي تتفاوت في درجة الحزن والاحباط واللامبالاة والنظرة السوداوية داخلياً وتنعكس على طريقة الحياة خارجياً، مما يراكم الألم والحسرة لدى المكتئب، ويجعله يشعر باليأس والحزن المضاعف.


جزء من مقال نشر عام 2005 

تويتر/ د. عبدالله المنيع Dr_manea@
الاضطرابات النفسية لدى أسر المعاقين 

بقلم د. عبدالله المنيع 

على الرغم من الجهود العلمية الكبيرة في الأبحاث والدراسات النفسية بأنواعها لمواجهة الضغوط والاضطرابات النفسية التي تصيب الأسرة بصفة عامة، ورغم ما يحدث من تقدم في تجاوز تلك الاضطرابات النفسية على الأسر العادية، إلا أن أسر المعاقين قد تعاني من مشكلات نفسية شبه متكررة أو دائمة، تضعها في أجواء من الاضطراب النفسي، وأشارت ( السيد، 2012م ) إلى أنه غالباً ما تشعر أسر الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالضغوط النفسية بدرجة أكبر من أسر الأطفال العاديين .
ويعد وجود المعاق في الأسرة بحد ذاته مشكلة وحملاً ابتلي به ذوي المعاق أو أسرته فما بالك إذا ما كانت تلك الأسرة تفتقد إلى الوعي والإدراك للتعامل مع هذا المعاق من جهة والتعامل مع واقعها وتكييفه وتقبله من جانب آخر! ، ولا شك بإن الحياة مع أخت أو أخ معوق بالنسبة لبعض الأشقاء قد تقود إلى مشكلات تكيفية ( حامد،2010م ، 15) .
لقد تمحور اهتمام الاختصاصيين في السابق حول الطفل المعاق كونه العنصر الأهم في قضية الإعاقة دون الالتفات إلى بقية أفراد أسرته، إلا أن الباحثين أدركوا فيما بعد أهمية دراسة أسر ذوي الاحتياجات الخاصة كوحدة متكاملة تتأثر جراء وجود طفل معاق في كيانها ( الخضيري،2011م ،24) .
كما أدركت الدراسات أهمية البحث عن التأثيرات النفسية والاجتماعية الناجمة عن وجود هذا الطفل في الأسرة على الوالدين، وسبل تقديم الإرشاد للأسرة بهدف مواجهة الإعاقة والتخفيف من آثارها ، لما يشكله وجود هذا الطفل ذو الاحتياج الخاص من ضغط اجتماعي ونفسي عليهم، متجاهلين التأثيرات التي قد تحدث على الأخوة غير المعاقين Roch) ، 2013، 126).
فإذا كان المعنى الشائع يفيد بأن الوالدين يمرون بانفعالات نفسية وعاطفية مرتين، مرة على طفلهم المعاق، ومرة تجاه أنفسهم، فإن أخوة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يشعرون بهذا الألم ويواجهونه على ثلاث جبهات، فهم يتأثرون على أخيهم المعاق أولاً، ويتأثرون من حالة الحزن الشديد التي يصاب بها الوالدين ثانياً ، ويتأثرون على أنفسهم ثالثاً( قاصد،2013م ، 28-29).
وتعتمد الأسرة كنظام اجتماعي قائم بذاته اعتماداً كلياً على طبيعة العلاقات القائمة بين أفراده والأدوار التي يلعبونها وعلاقاتهم بعضهم ببعض فإذا ما حدث شيء ما لأحد أفراد الأسرة فإنما ينعكس ذلك على النظام ككل (دويدار،1998م،127) .
وقد صرحت الكثير من الدراسات والمراجع المتخصصة عن واقع العديد من الأخصائيين النفسيين بأنهم يعالجون أسر المعاقين أكثر مما يعالجون الأطفال المعاقين أنفسهم (Lami ، 2013،7).
وجاء في دراسات منظمة الصحة العالمية أنه حين تتساوى معدلات انتشار الاضطرابات النفسية بين الرجال والنساء على حد سواء، فإن معدلات انتشار الاكتئاب في النساء يصبح ضعف معدلاته في الرجال .   (Kessler et, 1994,  8-19)

ولأهمية هذه المشكلات التكيفية فإنها غالباً ما  تتمثل في التالي :
1- المسؤولية :
حيث يرتبط إدراك ومشاعر الأطفال المراهقين والراشدين حول أخوتهم المعوقين ووالديهم بمدى المسؤولية التي يحملونها، وعادة ما يؤدي تحملهم - خاصة الإناث - مسؤولية الأخت أو الأخ المعوق بإرتباط وتطور الغضب والاستياء والشعور بالذنب وربما الاضطراب النفسي لاحقا ( ناجح،2012م ، 95-97) .
فوجود الطفل المعوق في الأسرة يستهلك الكثير من الوقت والمال والجهد والطاقة والموارد النفسية ، وقبل أن يكون الأطفال مستعدين ، فهم قد يدفعون إلى لعب دور الآباء وهو الدور الذي لا يستطيعون القيام به، وذلك بسبب كونهم غير مؤهلين لذلك نفسيا( واصف،2009م ، 115) . 
ولا شك بأن تحمل مثل هذه المسؤوليات قبل الأوان قد ينقل الطفل وبسرعة عبر مراحل النمو الضرورية للنمو السوي علاوة على حرمانه من العلاقات والخبرات الطبيعية . فملاحظات الوالدين غير المناسبة تعزز في بعض الأحيان الشعور بالذنب والخوف لدى الأطفال( هاشم،2009م ، 144) .

2- التخوف :
قد يتخوف الأطفال الصغار من أن تنتقل الإعاقة إليهم ، وتزايد قلقهم حيال هذا الأمر عندما يعلم الأخوة أن إعاقة أختهم أو أخيهم نتجت عن مرض مثل الحصبة أو التهاب السحايا أو غيرها . وقد يخاف أخوة الأطفال المعاقين سمعيا أو بصريا من إن يصبحوا معوقين في المستقبل . وكما لوحظ من خلال الدراسات والبحوث أن الأطفال عندما يدخلون إلى مرحلة المراهقة يخافون من أن يصبحوا أباء لأطفال معوقين ( الشهري،2013م ، 97) .
كما قد يتخوف الإخوة والأخوات من نظرة المجتمع إليهم وإلى أخيهم ، فمثلا قد يشعرون بالحرج الاجتماعي ويجدون صعوبة في التوافق مع الناس ونتيجة لذلك يبتعدون عن الأصدقاء فلا يزورون ولا يزارون ، وقد يخافون من إقبال الناس على الزواج منهم ( طرابيه،2005م ، 69-71).
3- الغضب والشعور بالذنب :
قد يشعر إخوة الأطفال المعوقين بمستويات شديدة من الغضب . فقد يشعرون بالغضب من أخوهم المعاق ، أو من الوالدين ، ومن العالم ، فيلقي بعضهم اللوم على الأم أو الأب بسبب حدوث الإعاقة ( ناجح،2012م ، 109) .وقد يشعرون بالحقد والغيرة لاهتمام والديهما الخاص بأخوهم المعاق .  كما قد تدفع ردود أفعال الغرباء والجيران والأقارب والأصدقاء لحالة الإعاقة إلى تولد سلوك عدواني لدى إخوة الطفل المعاق ( علام،2013م ، 86) .
كما إن الشعور بالإهمال وبعدم الحصول على التقدير للإنجازات يترك أثرا طويل المدى على الإخوة . كما إن حرمان الإخوة العاديين من الذهاب إلى الأماكن العامة والحدائق والزيارات وغيرها من الأمور الترفيهية بسبب الوالدين خوفا على طفلهما حرصا على مشاعره أو خوفا من الحرج الاجتماعي يزيد من الشعور بالغضب والحقد على الطفل المعاق ، لأنه في نظر إخوته سببا لمنعهم من تمتعهم وترفيههم في الأماكن العامة ( الخضيري،2011م ،  36-39).
ويستطيع بعض أخوة ذوي الاحتياجات الخاصة التعبير عن الغضب أكثر من غيرهم، حيث ينكر البعض الآخر بأنهم يعانون من الشعور بالغضب على والديهم أو مجتمعهم، وسواء كان أخوة المعاقون يخفون أو يظهرون مشاعر الغضب والشعور بالذنب التي قد تنتابهم( حامد،2010م ،  29) .
كما أن هذه المشاعر تتوقف على مجموعة من العوامل هي:
1.  المدى الذي يضطلع إليه الطفل بدور أساسي لتقديم الرعاية في نطاق الأسرة.
2.  المدى الذي يستفيد فيه الأخ المعاق من وجود أخيه غير المعاق.
3.  المدى الذي يمكن أن يقيد الطفل المعاق حياة أخيه الاجتماعية، أو أن يعتبر مصدراً للارتباك.
4.  المدى الذي يتطلب فيه الأخ المعاق وقتاً واهتماماً زائداً من الوالدين، والمدى الذي يسلب فيه الوقت من أخوة آخرين.
5.  المدى الذي يستنزف فيه الموارد المالية للأسرة جراء احتياجات الطفل المعاق.
6.  عدد الأطفال في الأسرة، وجنسهم.
7.   التكيف العام الذي حققه الآباء مع ظروفهم الخاصة ( واصف،2009م ، 127-129). 
8.  وبين( قاصد،2013م ، 42-45) إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي ترفع من مستوى الاضطراب الانفعالي عند أخوة الأطفال المعاقين وهي :
·        عدد الأخوة في الأسرة
·        عمر الأخ المعاق
·        جنس الأخ المعاق
·        رد الفعل الوالدي على إعاقة الابن
·        نوع الإعاقة
·        شدة الإعاقة
·        العبء والمسؤولية الملقاة على الأخوة لرعاية أخيهم المعاق.
·        الشعور بالذنب يشكل حجر الأساس للصعوبات التي يواجهها الأخوة غير المعاقين لاحقاً.

4 - التواصل :
إن عدم التواصل داخل الأسرة حول إعاقة الطفل وأسبابها ومستوى شدتها ، وما ستؤول إليه الأمور في المستقبل ، واحتمال انتقال هذه الإعاقة لهم قد يسهم في الشعور بالوحدة . فيحس هؤلاء الإخوة أن بعض الموضوعات محرمة وأن المشاعر السلبية يجب دفنها مما يؤدي ألي تولد الشعور بالوحدة والانفصال عن الأشخاص الذين تربطه بها علاقة قوية ( الشهري،2013م ، 124-127).
5- اتجاهات الآباء :
هناك بعض الأدلة على إن الإخوة العاديين يتأثرون باتجاهات آبائهم نحو الطفل المعوق . فالآباء يعتبرون نموذجا يحتذى به بالنسبة لأطفالهم ( هاشم،2009م ،169) .  فطريقة استجابة الآباء للطفل المعوق تؤثر على ردود أفعال الإخوة . فالآباء الذين لديهم قبول عام لطفلهم يقدمون استجابات واتجاهات تمكن الإخوة من الاستجابة بطريقة مماثلة للأخت أو الأخ المعوق ،والعكس صحيح .و قد وجد الباحثون أن هناك عوامل لتأزم إخوة المعاق وهي :
1- التقارب في السن بين الطفل المعاق وأخيه العادي .
2- عندما يكون الأخ من نفس جنس الطفل المعاق .
3- عندما تكون الأخت أكبر من أخيها المعاق ، ويطلب منها رعاية أخيها المعاق أو أختها المعاقة  ( طرابيه،2005م ، 83-85).
ويرى فيري ( Fairi ، 2014، 39) إن أخوة الأطفال المعاقين يشعرون بالغضب من الوالدين، ومن الطفل المعاق، ومن العالم، ويلقي بعضهم باللوم على الأم أو الأب بسبب حدوث الإعاقة، فالإعاقة تخلق حاجات غير اعتيادية، وكثير من الأطفال يحسدون أختهم أو أخاهم على هذا الاهتمام الخاص الذي يحظون به، وبعض الأطفال الأكبر سناً يتطور لديهم غضب شديد من حجم النقود التي تنفق على تشخيص وعلاج أخيهم المعاق، وهي موارد أسرية يمكن الاستفادة منها لتلبية حاجات الأسرة ودفع الأقساط المدرسية والجامعية وما إلى  ذلك.
ويلخص محروس(2010 ) المراحل التي تمر بها الأسرة التي يبتلى أحد أفرادها بإعاقة ما بثلاثة مراحل ، المرحلة الأولى مع الشعور بوجود طفل معاق في الأسرة، تبدأ مرحلة جديدة في حياة الأسرة يملؤها الألم، وتتخللها الشفقة، ويلازمها البكاء الدائم، ويظهر العبوس على وجوه أفرادها، وكلما مرَّ الوقت، عشش القلق، وساد التشاؤم، وتعمق الخوف من المستقبل، أما إذا تقبلت الأسرة الأمر كواقع حي يتعاملون معه، وخاصة الأم التي يكون عليها الدور الأكبر في هذا التقبل، ومناقشة الإعاقة كواقع لابد من التعامل معه مع بقية أفراد الأسرة، فإن ذلك من شأنه أن يقلل من حدة المعاناة، ويقصّر من فترة القلق، فما إن تستقر الأسرة على مواجهة المشكلة، وما إن تتقبل ذلك الواقع الصعب، وما إن تتعامل مع المشكلة تعاملا علميا وطبيا سليما، وما إن تنأى عن الأحلام والأماني الكاذبة التي تضخم الوهم بوجود حل خارق، وما إن تستسلم الأسرة لقدر الله سبحانه، فلسوف تختصر الطريق أمام المراحل التالية.
وفي المقابل فقد أشارت دراسات أخرى عكس ذلك فبينت أن إعاقة الطفل تقود إلى تقوية العلاقات الأسرية ! (دويدار، 1998م)
وبناء على هذه المقدمة البسيطة فإن مشكلة انتشار الاضطرابات النفسية لدى أسر المعاقين في كل مجتمع هي مشكلة أسرة ككل وليست شخصية، بل بالعكس قد يكون الألم والاضطراب النفسي لدى أسرة المعاق وخاصة والديه أكبر وأشد من المعاق نفسه .


* مقدمة من رسالة الدكتوراة للباحث حول الموضوع

تويتر/ د.عبدالله المنيع    Dr_manea@