الثلاثاء، 18 أكتوبر 2016

الاضطرابات النفسية لدى أسر المعاقين 

بقلم د. عبدالله المنيع 

على الرغم من الجهود العلمية الكبيرة في الأبحاث والدراسات النفسية بأنواعها لمواجهة الضغوط والاضطرابات النفسية التي تصيب الأسرة بصفة عامة، ورغم ما يحدث من تقدم في تجاوز تلك الاضطرابات النفسية على الأسر العادية، إلا أن أسر المعاقين قد تعاني من مشكلات نفسية شبه متكررة أو دائمة، تضعها في أجواء من الاضطراب النفسي، وأشارت ( السيد، 2012م ) إلى أنه غالباً ما تشعر أسر الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالضغوط النفسية بدرجة أكبر من أسر الأطفال العاديين .
ويعد وجود المعاق في الأسرة بحد ذاته مشكلة وحملاً ابتلي به ذوي المعاق أو أسرته فما بالك إذا ما كانت تلك الأسرة تفتقد إلى الوعي والإدراك للتعامل مع هذا المعاق من جهة والتعامل مع واقعها وتكييفه وتقبله من جانب آخر! ، ولا شك بإن الحياة مع أخت أو أخ معوق بالنسبة لبعض الأشقاء قد تقود إلى مشكلات تكيفية ( حامد،2010م ، 15) .
لقد تمحور اهتمام الاختصاصيين في السابق حول الطفل المعاق كونه العنصر الأهم في قضية الإعاقة دون الالتفات إلى بقية أفراد أسرته، إلا أن الباحثين أدركوا فيما بعد أهمية دراسة أسر ذوي الاحتياجات الخاصة كوحدة متكاملة تتأثر جراء وجود طفل معاق في كيانها ( الخضيري،2011م ،24) .
كما أدركت الدراسات أهمية البحث عن التأثيرات النفسية والاجتماعية الناجمة عن وجود هذا الطفل في الأسرة على الوالدين، وسبل تقديم الإرشاد للأسرة بهدف مواجهة الإعاقة والتخفيف من آثارها ، لما يشكله وجود هذا الطفل ذو الاحتياج الخاص من ضغط اجتماعي ونفسي عليهم، متجاهلين التأثيرات التي قد تحدث على الأخوة غير المعاقين Roch) ، 2013، 126).
فإذا كان المعنى الشائع يفيد بأن الوالدين يمرون بانفعالات نفسية وعاطفية مرتين، مرة على طفلهم المعاق، ومرة تجاه أنفسهم، فإن أخوة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يشعرون بهذا الألم ويواجهونه على ثلاث جبهات، فهم يتأثرون على أخيهم المعاق أولاً، ويتأثرون من حالة الحزن الشديد التي يصاب بها الوالدين ثانياً ، ويتأثرون على أنفسهم ثالثاً( قاصد،2013م ، 28-29).
وتعتمد الأسرة كنظام اجتماعي قائم بذاته اعتماداً كلياً على طبيعة العلاقات القائمة بين أفراده والأدوار التي يلعبونها وعلاقاتهم بعضهم ببعض فإذا ما حدث شيء ما لأحد أفراد الأسرة فإنما ينعكس ذلك على النظام ككل (دويدار،1998م،127) .
وقد صرحت الكثير من الدراسات والمراجع المتخصصة عن واقع العديد من الأخصائيين النفسيين بأنهم يعالجون أسر المعاقين أكثر مما يعالجون الأطفال المعاقين أنفسهم (Lami ، 2013،7).
وجاء في دراسات منظمة الصحة العالمية أنه حين تتساوى معدلات انتشار الاضطرابات النفسية بين الرجال والنساء على حد سواء، فإن معدلات انتشار الاكتئاب في النساء يصبح ضعف معدلاته في الرجال .   (Kessler et, 1994,  8-19)

ولأهمية هذه المشكلات التكيفية فإنها غالباً ما  تتمثل في التالي :
1- المسؤولية :
حيث يرتبط إدراك ومشاعر الأطفال المراهقين والراشدين حول أخوتهم المعوقين ووالديهم بمدى المسؤولية التي يحملونها، وعادة ما يؤدي تحملهم - خاصة الإناث - مسؤولية الأخت أو الأخ المعوق بإرتباط وتطور الغضب والاستياء والشعور بالذنب وربما الاضطراب النفسي لاحقا ( ناجح،2012م ، 95-97) .
فوجود الطفل المعوق في الأسرة يستهلك الكثير من الوقت والمال والجهد والطاقة والموارد النفسية ، وقبل أن يكون الأطفال مستعدين ، فهم قد يدفعون إلى لعب دور الآباء وهو الدور الذي لا يستطيعون القيام به، وذلك بسبب كونهم غير مؤهلين لذلك نفسيا( واصف،2009م ، 115) . 
ولا شك بأن تحمل مثل هذه المسؤوليات قبل الأوان قد ينقل الطفل وبسرعة عبر مراحل النمو الضرورية للنمو السوي علاوة على حرمانه من العلاقات والخبرات الطبيعية . فملاحظات الوالدين غير المناسبة تعزز في بعض الأحيان الشعور بالذنب والخوف لدى الأطفال( هاشم،2009م ، 144) .

2- التخوف :
قد يتخوف الأطفال الصغار من أن تنتقل الإعاقة إليهم ، وتزايد قلقهم حيال هذا الأمر عندما يعلم الأخوة أن إعاقة أختهم أو أخيهم نتجت عن مرض مثل الحصبة أو التهاب السحايا أو غيرها . وقد يخاف أخوة الأطفال المعاقين سمعيا أو بصريا من إن يصبحوا معوقين في المستقبل . وكما لوحظ من خلال الدراسات والبحوث أن الأطفال عندما يدخلون إلى مرحلة المراهقة يخافون من أن يصبحوا أباء لأطفال معوقين ( الشهري،2013م ، 97) .
كما قد يتخوف الإخوة والأخوات من نظرة المجتمع إليهم وإلى أخيهم ، فمثلا قد يشعرون بالحرج الاجتماعي ويجدون صعوبة في التوافق مع الناس ونتيجة لذلك يبتعدون عن الأصدقاء فلا يزورون ولا يزارون ، وقد يخافون من إقبال الناس على الزواج منهم ( طرابيه،2005م ، 69-71).
3- الغضب والشعور بالذنب :
قد يشعر إخوة الأطفال المعوقين بمستويات شديدة من الغضب . فقد يشعرون بالغضب من أخوهم المعاق ، أو من الوالدين ، ومن العالم ، فيلقي بعضهم اللوم على الأم أو الأب بسبب حدوث الإعاقة ( ناجح،2012م ، 109) .وقد يشعرون بالحقد والغيرة لاهتمام والديهما الخاص بأخوهم المعاق .  كما قد تدفع ردود أفعال الغرباء والجيران والأقارب والأصدقاء لحالة الإعاقة إلى تولد سلوك عدواني لدى إخوة الطفل المعاق ( علام،2013م ، 86) .
كما إن الشعور بالإهمال وبعدم الحصول على التقدير للإنجازات يترك أثرا طويل المدى على الإخوة . كما إن حرمان الإخوة العاديين من الذهاب إلى الأماكن العامة والحدائق والزيارات وغيرها من الأمور الترفيهية بسبب الوالدين خوفا على طفلهما حرصا على مشاعره أو خوفا من الحرج الاجتماعي يزيد من الشعور بالغضب والحقد على الطفل المعاق ، لأنه في نظر إخوته سببا لمنعهم من تمتعهم وترفيههم في الأماكن العامة ( الخضيري،2011م ،  36-39).
ويستطيع بعض أخوة ذوي الاحتياجات الخاصة التعبير عن الغضب أكثر من غيرهم، حيث ينكر البعض الآخر بأنهم يعانون من الشعور بالغضب على والديهم أو مجتمعهم، وسواء كان أخوة المعاقون يخفون أو يظهرون مشاعر الغضب والشعور بالذنب التي قد تنتابهم( حامد،2010م ،  29) .
كما أن هذه المشاعر تتوقف على مجموعة من العوامل هي:
1.  المدى الذي يضطلع إليه الطفل بدور أساسي لتقديم الرعاية في نطاق الأسرة.
2.  المدى الذي يستفيد فيه الأخ المعاق من وجود أخيه غير المعاق.
3.  المدى الذي يمكن أن يقيد الطفل المعاق حياة أخيه الاجتماعية، أو أن يعتبر مصدراً للارتباك.
4.  المدى الذي يتطلب فيه الأخ المعاق وقتاً واهتماماً زائداً من الوالدين، والمدى الذي يسلب فيه الوقت من أخوة آخرين.
5.  المدى الذي يستنزف فيه الموارد المالية للأسرة جراء احتياجات الطفل المعاق.
6.  عدد الأطفال في الأسرة، وجنسهم.
7.   التكيف العام الذي حققه الآباء مع ظروفهم الخاصة ( واصف،2009م ، 127-129). 
8.  وبين( قاصد،2013م ، 42-45) إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي ترفع من مستوى الاضطراب الانفعالي عند أخوة الأطفال المعاقين وهي :
·        عدد الأخوة في الأسرة
·        عمر الأخ المعاق
·        جنس الأخ المعاق
·        رد الفعل الوالدي على إعاقة الابن
·        نوع الإعاقة
·        شدة الإعاقة
·        العبء والمسؤولية الملقاة على الأخوة لرعاية أخيهم المعاق.
·        الشعور بالذنب يشكل حجر الأساس للصعوبات التي يواجهها الأخوة غير المعاقين لاحقاً.

4 - التواصل :
إن عدم التواصل داخل الأسرة حول إعاقة الطفل وأسبابها ومستوى شدتها ، وما ستؤول إليه الأمور في المستقبل ، واحتمال انتقال هذه الإعاقة لهم قد يسهم في الشعور بالوحدة . فيحس هؤلاء الإخوة أن بعض الموضوعات محرمة وأن المشاعر السلبية يجب دفنها مما يؤدي ألي تولد الشعور بالوحدة والانفصال عن الأشخاص الذين تربطه بها علاقة قوية ( الشهري،2013م ، 124-127).
5- اتجاهات الآباء :
هناك بعض الأدلة على إن الإخوة العاديين يتأثرون باتجاهات آبائهم نحو الطفل المعوق . فالآباء يعتبرون نموذجا يحتذى به بالنسبة لأطفالهم ( هاشم،2009م ،169) .  فطريقة استجابة الآباء للطفل المعوق تؤثر على ردود أفعال الإخوة . فالآباء الذين لديهم قبول عام لطفلهم يقدمون استجابات واتجاهات تمكن الإخوة من الاستجابة بطريقة مماثلة للأخت أو الأخ المعوق ،والعكس صحيح .و قد وجد الباحثون أن هناك عوامل لتأزم إخوة المعاق وهي :
1- التقارب في السن بين الطفل المعاق وأخيه العادي .
2- عندما يكون الأخ من نفس جنس الطفل المعاق .
3- عندما تكون الأخت أكبر من أخيها المعاق ، ويطلب منها رعاية أخيها المعاق أو أختها المعاقة  ( طرابيه،2005م ، 83-85).
ويرى فيري ( Fairi ، 2014، 39) إن أخوة الأطفال المعاقين يشعرون بالغضب من الوالدين، ومن الطفل المعاق، ومن العالم، ويلقي بعضهم باللوم على الأم أو الأب بسبب حدوث الإعاقة، فالإعاقة تخلق حاجات غير اعتيادية، وكثير من الأطفال يحسدون أختهم أو أخاهم على هذا الاهتمام الخاص الذي يحظون به، وبعض الأطفال الأكبر سناً يتطور لديهم غضب شديد من حجم النقود التي تنفق على تشخيص وعلاج أخيهم المعاق، وهي موارد أسرية يمكن الاستفادة منها لتلبية حاجات الأسرة ودفع الأقساط المدرسية والجامعية وما إلى  ذلك.
ويلخص محروس(2010 ) المراحل التي تمر بها الأسرة التي يبتلى أحد أفرادها بإعاقة ما بثلاثة مراحل ، المرحلة الأولى مع الشعور بوجود طفل معاق في الأسرة، تبدأ مرحلة جديدة في حياة الأسرة يملؤها الألم، وتتخللها الشفقة، ويلازمها البكاء الدائم، ويظهر العبوس على وجوه أفرادها، وكلما مرَّ الوقت، عشش القلق، وساد التشاؤم، وتعمق الخوف من المستقبل، أما إذا تقبلت الأسرة الأمر كواقع حي يتعاملون معه، وخاصة الأم التي يكون عليها الدور الأكبر في هذا التقبل، ومناقشة الإعاقة كواقع لابد من التعامل معه مع بقية أفراد الأسرة، فإن ذلك من شأنه أن يقلل من حدة المعاناة، ويقصّر من فترة القلق، فما إن تستقر الأسرة على مواجهة المشكلة، وما إن تتقبل ذلك الواقع الصعب، وما إن تتعامل مع المشكلة تعاملا علميا وطبيا سليما، وما إن تنأى عن الأحلام والأماني الكاذبة التي تضخم الوهم بوجود حل خارق، وما إن تستسلم الأسرة لقدر الله سبحانه، فلسوف تختصر الطريق أمام المراحل التالية.
وفي المقابل فقد أشارت دراسات أخرى عكس ذلك فبينت أن إعاقة الطفل تقود إلى تقوية العلاقات الأسرية ! (دويدار، 1998م)
وبناء على هذه المقدمة البسيطة فإن مشكلة انتشار الاضطرابات النفسية لدى أسر المعاقين في كل مجتمع هي مشكلة أسرة ككل وليست شخصية، بل بالعكس قد يكون الألم والاضطراب النفسي لدى أسرة المعاق وخاصة والديه أكبر وأشد من المعاق نفسه .


* مقدمة من رسالة الدكتوراة للباحث حول الموضوع

تويتر/ د.عبدالله المنيع    Dr_manea@ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق