الثلاثاء، 18 أكتوبر 2016

نبذة عن الاكتئاب في التاريخ واللغة والقرآن والسنة وعلم النفس


بقلم د. عبدالله المنيع 

(1) لمحة تاريخية:
  يستخدم مصطلح الاكتئاب على نطاق واسع في اللغة العربية والإنجليزية بل وفي لغات أخرى، للتعبير عن الاكتئاب النفسي، وقد وصفت (Medina1995:8):" الكآبة الإنسانية وُصِفتْ كمرض في الكتب الدراسية الطبيةِ المصريةِ منذ أكثر مِنْ 5.000 سنةً قبل الميلاد ، وقد ذكرت (الكآبة الإنسانية) في كتاب التوراة أيضاً " .

وأرجع أبوعلي ابن سيناء في كتابه " القانون " الكثير من أمراض النفس وأثرها على الجسد فقال:أن الأفكار المتسلطة (الوسواس القهري) و الاكتئاب والغضب والشهوة والأرق والبكاء بأنها، أنها تؤدي إلى خلل في نبض الدم وإلى علة في البدن .

  و في العـصر الحديث نشط البحث العـلمي في مجال الطب النفسي بصفة عـامة, وحاول العـلماء تفسير ظواهر الصحة والمرض النفسي ، وظهرت النظريات الحديثة للعلل النفسية.
 حيث يعتبر العالم  "كربلين" أول من فصـل حالات الاكتئاب والهوس عن الفصام , ورجح وجود أسباب عضوية لها،(الشربيني،2001م : 23)، ثم جاء عالم النفس الشهير " فرويد " بنظرياته التي أحدثت ثورة في كثير من المفاهيم السائدة بغـض النظر عن ما تعرضت له فيما بعد من نقد و تعـديل ، وقد تبني فـرويد نظرية تقوم على أن السبب الأساسي للاكتئاب هـو سبب نفسي يرجـع إلى فقد شيء ما يعـني ذلك للفـــرد.

 (2)  الاكتئاب في اللغة العربية :
 يُعرف الاكتئاب في اللغة بمادة " الكأبُ و الكأبة ُ والكآبة ُ: الغم وسوء الحال، والانكسارُ من حزن ٍ، والكأباءُ: الحزن، ورمادٌ مكتئب:ضاربٌ إلى السواد"،(الفيروز آبادي، 1987م :164)    وذكر صاحب المنجد،(1997م: 668) في مادة كأب قوله: " كـَـئِبَ ـ كـَأ ْباً و كـَأ ْبة ًو كـَآ ْبة  : كان في غم وسوء حال وانكسار من حزن ، فهو كـَـئِبَ و كـَـئيِبُُُ ُ ويقال على المجاز: أرضٌ كئيبة الوجه ، أي ضاربة على السواد كما يكون وجه الكئيب " ويقال كئب بمعنى تغيرت نفسه وانكسرت "من شدة الهم والحزن "،(الحنفي،2003م:198) .
وذكره أيضاً ابن منظور صاحب لسان العرب ، وذكره ابن القيم عندما بين بعض حال العاشقين ووصفها بالكآبة وأنها حزن وانكسار وهم  وغم،(ابن القيم، 2003م : 21).

(3)  الاكتئاب  في القرآن والسنة :
مما لا شك فيه أن القرآن الكريم فيه علاج لجميع الأمراض العضوية والنفسية ، وهذا مجرب ومعروف قال تعالى :{يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }]يونس : 57[ .

وقال تعالى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى }[طه:421] أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }[طه:421] أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره (2004م).

وجاء ذكر الكآبة في القرآن الكريم والسنة بمعنى الهم والحزن والنصب والوصب، أي بالمعنى اللغوي المفسر للكآبة، وقد بين المفسرون لهذه الآيات أنها الكآبة، وجاء المعنى بلفظ الكآبة صريحاً، كما في التالي:

 ذكر ابن كثير في قصة يوسف الكثير عن أبيه وحزنه عليه، فقد نقل عن سعيد بن جبير أنه قال: ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام {وَقَالَ يا أَسَفا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فهُوَ كَظِيمٌ }[يوسف:48] أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره. وقال الضحاك: فهو كظيم كئيب حزين. 

  ونقل ابن حجر العسقلاني (1981) في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري قوله :  قال أبو عبيدة في قوله تعالى} فإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ{ " المبلس الحزين النادم، قال رؤبة بن العجاج ” وفي الوجوه صفرة وإبلاس ” أي اكتئاب وحزن .

وكان يحزن رسولنا الكريم أحياناً وقد جاء في أكثر من موضع وصف الصحابة حالة بالكآبة، كما جاء عند أحمد(1999م) عن أسامة بن زيد قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة فسألته ماله؟ فقال: لم يأتني جبريل منذ ثلاث..".

ولكن لم يكن حزن الرسول الكريم إلا لسبب يزول بزواله فقد نقل القرطبي  أن الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور الوَلْولة وشقّ الثياب، والكلام بما لا ينبغي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَدمع العين ويَحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ». 

وجاء في حديث الحجاج بن عليط في مسند الإمام أحمد(1999م) عندما علم أهل مكة بفتح خيبر ونصرة المسلمين ـ بعدما كانوا في حزن شديد ـ يقول: " فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئباً حتى أتو العباس، فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون، ورد الله ما كان كآبة أو غيظاً أو حزناً على المشركين».

وجاء في الحديث الصحيح عند البخاري(1998م؛ مسلم 1981م) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا وصب ولا نصب ، إلا يكفر الله به عنه سيئاته " قال الراوي الغم والوصب والنصب أي حزن وكآبة وتعب .

 (4)  الاكتئاب في علم النفس :

أما في المجال النفسي، فإن لمصطلح الاكتئاب أكثر من معنى لكنها رغم عدم التشابه فيما بينها في كل الأحوال تدور حول نفس المفهوم حيث يعرفه بيك (Beck,1979:105) بأنه " مجموعة من الأعراض السلوكية التي تتسم بهبوط في النشاط الحركي واللفظي يصاحبه نوبات بكاء وحزن ٍ وتدن ٍ في اعتبار الذات وأرق وفقدان الاهتمام بالأشياء ".

ويقول عنه بيك أيضاً إنه " حالة انفعالية تتضمن تغيراً محدوداً في المزاج مثل مشاعر الحزن ، والوحدة ، واللامبالاة ، ومفهوماً سالباً عن الذات ولومها وتحقيرها ، والرغبة في عقاب الذات ، والرغبة في الموت والهروب والاختفاء ،وتغيرات في النشاط "،(في الشهري1996م: 15).

ويعرفه الأنصاري( 1983م:65 ) بأنه "حزن عميق مستمر، قد يحدث نتيجة حادث خارجي كموت إنسان عزيز، وقد يكون أحياناً مجهول السبب..".

ويقول  " إن المشكلة الكبيرة في هذا المضمار هي أن الظواهر التي يحتويها مرض الاكتئاب ما هي إلا مزيج من الاضطرابات الفسيولوجية أساسا و بعـض من مجموعـة عقد لأعـراض هذه الاضطرابات الفسيولوجية و النفسية بالإضافة إلى أنماط من السلوك المعتاد و غير المدرك واللذين قد يؤديان بالمريض إلى حالة من الحزن المتكرر (ليفت ولوبين، 1985 م :10).

ويعرف إنجرام (Ingram,1994:113) الاكتئاب أنه " اضطراب (مزاجي أو وجداني) يتسم بانحرافات مزاجية تفوق التقلبات المزاجية الأخرى " .

كما عرفه الحاج (1997م:67) أنه " حالة من الحزن الشديد المستمر يبدو الشخص وكأنه في حداد دائم و الكآبة واضحة على قسمات وجهه نتيجة ظروفه المحزنة الأليمة، وقد يخيل إليه بأنه مصاب بأمراض فتاكة لا أمل في شفائه منها أو أنه يعتقد بأنه ارتكب خطيئة ولا أمل له بالغفران".

ويرى عبدالسلام، (1997م) أن الاكتئاب " حالة تصيب الجسم كله وأيضاً الذهن والمزاج والسلوك من الحزن والضيق، فهو يؤثر في النوم وشهية الأكل و كذلك يؤثر في انطباع المريض عن نفسه".

ويرى عكاشة أن الاكتئاب " أحد الاضطرابات الوجدانية التي تتسم بحالة من الحزن الشديد، وفقدان الحب وكراهية الذات، والشعور بالتعاسة، وفقدان الأمل ، وعدم القيمة ، ونقص النشاط ، والاضطراب المعرفي ، متمثلاً في السلبية للذات ، وانخفاض تقديرها ، وتشويه المدركات ، وتحريف الذاكرة ، وتوقع الفشل في كل محاولة ، ونقص الفاعلية العقلية " (نقلاً عن الهاجري،1998م:8) .

ويذكر الأنديجاني ( 1999م: 14) تعريف الاكتئاب عند الأطفال بأنه " حالة نفسية تتصف بالكسل وهبوط الوظائف الفسيولوجية، وشعور بالفشل، نتيجة لعوامل بيئية محزنة واضحة الأسباب أو غير واضحة الأسباب يشعر بها الطفل دون سبب مباشر ".

ويعرفه ويلس وماركس، ( 2000م: 32) بانه " اضطراب مرضي في المزاج يشبه الحزن أو الأسى ويوصف بأنه استجابي (reactive) عندما يمكن عزوه إلى سبب معين، وبأنه ذاتي المنشأ(Endogenous) عندما يظهر على نحو غير متوقع. ويرافق تغير المزاج اضطراب في النوم والنشاط والتفكير.

ويعرفه الشربيني، ( 17:2001).أحد التقلبات المعتادة للمزاج استجابة لموقف نصادفه في حياتنا يدعو إلى الشعور بالحزن والأسى، أو قد يكون مصاحباً للإصابة لأي مرض آخر.."

ويعرف زهران (2001م: 514 ).الاكتئاب بانه" حالة من الحزن الشديد المستمر نتيجة الظروف المحزنة الأليمة، وتعبير عن شيء مفقود، وإن كان المريض لا يعي المصدر الحقيقي لحزنه ".

ويعرفه إيدلبيرج Eidelberg بأنه " عرض عصابي يتسم بتناقص الاهتمام بالعالم الخارجي وتزايد العدوان الموجه ضد الذات، مع نقد الذات والشعور بالإثم والندم، ومعاقبة الذات "،(في النمري، 1422هـ: 39).


ويعرفه عكاشة أنه " مزاج سوداوي واكتئابي وإحساس المريض بعدم الرضا، وعدم القدرة على الاتيان بنشاطه السابق، ويأسه من مواجهة المستقبل، وفقد القدرة على النشاط، وصعوبة في التركيز والشعور بالإرهاق التام مع بعض أعراض القلق ، وأحياناً أعراض هستيرية ، وكثيراً اضطرابات في الشخصية "(  نقلاً عن الثقفي،1998م:22 ) .
 ولا شك بأن الاكتئاب هو مجموعة من المشاعر والأحاسيس النفسية التي تتفاوت في درجة الحزن والاحباط واللامبالاة والنظرة السوداوية داخلياً وتنعكس على طريقة الحياة خارجياً، مما يراكم الألم والحسرة لدى المكتئب، ويجعله يشعر باليأس والحزن المضاعف.


جزء من مقال نشر عام 2005 

تويتر/ د. عبدالله المنيع Dr_manea@

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق