بقلم / د.عبدالله عبدالعزيز المنيع (*)
ذكاء الأطفال هبة من الله سبحانه وتعالى ولذلك يسمى طفل موهوب، وهي
الهبة والعطية من الله، والموهبة Giftedness واسعة المعاني ولكل
مدرسة في شتى فنون العلم مفهوم يوازي هذا المصطلح، فمنهم من قرنها بالذكاء Intelligence، وآخرين بالتفوق العقلي Superior وغيرهم بالقدرة Ability، وهناك من صنفها إلى عدة
تصنيفات وجزأها، ولكن ليس هذا مجال بحثنا في هذه العجالة خاصة إذا كانت المحصلة
واحدة في المعنى العام.
والطفل الموهوب هو طفل عادي مثل أي طفل يعيش حياته ولكن أثبتت البحوث
التي قام بها الكثير من العلماء في مجال علم النفس والاجتماع و تخصصات الذكاء أن
الطفل الذكي أو الموهوب أو ما يطلق عليه علماء النفس ( الغير عادي ) أنه رغم تفوقهم
ونباهتهم إلا أنهم يعيشون حياة غير سهلة بعكس أقرانهم من الأطفال العاديين، وقد
يكون الذكاء أحياناً عكسياً على صاحبة، وخاصة في صغره ، وربما يواجهون شقاء
بسبب تفوقهم وقد ينطبق عليهم قول المتنبي :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة
في الشقاوة ينعم
والسبب في ذلك أنهم يواجهون صعوبات
أكبر من ما يواجهه الطفل العادي ، وقد صنف الكثير من العلماء أنواع تلك المشكلات
التي تواجه الموهوب منذ صغره وقد تحد من قدراته أو في أقل الأحوال تخلق له
متلازمات من القلق والإحباط و عدم تقدير الذات مما ينتج عنه موجات من الاكتئاب
والقلق والشعور بالظلم...
ولكي نعرف أهم العقبات التي تواجه
الموهوب في حياته فلابد أن نتنبه إلى أن العقبات والمشكلات جزء من الحياة- حياة أي
انسان قال تعالى :" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَفِي كَبَدٍ "- ولأن
الطفل الغير عادي يشعر بها أكثر فهي ملازمة له منذ طفولته حتى وفاته ولكل مرحلة
عقباتها التي يجب التنبه لها و مساعدته على تجاوزها.
ويمكن تقسيم المشكلات التي تواجه الموهوب في
حياته على قسمين رئيسيين :
* مشكلات داخلية المنشأ: (تظهر من الموهوب بنفسه
دون تدخل البيئة حوله).
* مشكلات خارجية المنشأ: من البيئة من حوله أياً
كانت بدأً من الوالدين والأسرة مروراً بالمدرسة واللعب والحياة والمجتمع..
فإذا ما أردنا أن يبرز أطفالنا الموهوبون
قدراتهم ومواهبهم وأن يكونوا قادة المستقبل ورجال الفكر وأمل الأمم فلا بد أن نحقق
لهم السعادة في حياتهم وأن نتفحص مشكلاتهم وأسبابها وأسباب علاقتهم ببعض المشكلات
خاصة، ومساعدتهم على تجاوز مرحلة الطفولة بمشكلاتها وتعقيداتها التي تخصهم .
ولست بصدد طرح كل المشكلات التي تمر بهذا الطفل المميز ولكنني سوف
أقتصر على أهم مرحلة وأول محطة تبدأ معها مشكلات الطفل الموهوب، وهي الأسرة وخاصة
الوالدين الأم والأب وما قد يسببانه من مشكلات لهذا الطفل الموهوب الذي غالباً لا
يعرفان التعامل معه، بل قد يسببان له الكثير من المتاعب والاحباطات المتتالية أو
ما يمكن أن نسميه: (مشكلات الموهوبين الوالدية)، أو ( مشكلات الموهوبين
الأسرية)، وأرى أن هذه المرحلة هي أهم مرحلة وأدق وأخطر نقطة انطلاقة
إذا ما تجاوزها الموهوب بأقل قدر من العراقيل والمشكلات فهو قد تجاوز مرحلة خط
البداية وبدأ في طريق التفوق الصحيح، وبالتالي يخفف تجاوز هذه المرحلة على
المشكلات اللاحقة وتكون كالأساس في بناء الإبداع وكالوقاية من المشكلات اللاحقة:
1.المبالغة في التعامل وتقدير مستوى ذكاء الطفل الموهوب:
غالباً ما يقع الآباء بهذه المشكلة وخاصة إذا ما
كانوا يحبون هذا الطفل الذي يزيد عمره العقلي Mental age عن أقرانه في السن
نفسه، فالطفل الموهوب يظهر شيئاً من مواهبه رغم أنه ما زال في المرحلة الأولى من
عمرة أو الطفولة المبكرةً فهو يبدأ بالنظر والتأمل في من حوله وتبدأ موهبته التي
أعطاه الله إياها بالتأمل والمراقبة، ومع مرور الوقت يدرك بعض الحركات التي تدور
حوله ويفهم متى تكون لمصلحته ومتى العكس رغم أنه لم يبدأ بالكلام بعد، ومع مرور
الوقت وتقدمه بالعمر وبمجرد جلوسه مع أحد والديه أو مع إخوته الذين يكبرونه سناً
يستطيع أن يربط بين الكلمات بدون كلام فمثلاً تقول مروحة فيشير إلى السقف وتتحدث
عن السيارة فيركض لحذائه أو يحضر لك حذائك أو يحضر مفتاح السيارة من جيبك، وهكذا
من المواقف الكثيرة جداً التي يعرفها الآباء جيداً والتي يبدأ الأطفال العاديين
بالتصرف بها أو القيام بها بعد هؤلاء بأشهر أو أكثر من سنة..وتجده بعد ذلك يردد
الكثير من الكلمات والأناشيد وأحياناً يحاول القراءة والكتابة بل ويحفظ سوراً
صغيرة من القرآن ويقوم بالجمع والطرح بقدر مقبول يندر في سنه قبل دخوله
الروضة أو المدرسة وربما يحل مشكلات تواجهه أو تواجه أقرانه وإخوته، خاصة في
ألعابه التي يلهو بها..، وهكذا بشكل أو آخر ومن سنة لأخرى وبدرجات تفوق متفاوتة من
طفل لآخر ومن بيئة لأخرى.
وتجد أن الكثير من الأسر ابتداءً من الأم
والأب مروراً ببقية الأولاد أو أقرباء الأسرة فضلاً عن طريقة تعاملهم فهم يبالغون
في تقدير وتصوير ذكاء وتفوق وموهبة طفلهم بشكل أو بآخر وهذا الأمر غاية في
الأهمية والخطورة لعدد من الأسباب التي لها آثار سلبية في كثير من الأحيان وبرأيي
أن لتلك الآثار السلبية سببان هامان وأساسيان مصدرهما طريقة تعامل الوالدان مع
الأولاد المتفوقين :
· زيادة الأحمال على الطفل
المتفوق:
إن مخرجات الطفل الموهوب من الفنون والإبداع
والفهم والإدراك والابتكار وغيرها من مكونات الإبداع لا تعني تحميله فوق
طاقته فالموهبة والتفوق تكاملية حتى وإن كانت جينية ربانية، فهي تبنى مع مرور
الزمن ولكل مرحلة مشكلاتها وتطوراتها البيولوجية والنفسية لهذا الطفل المبدع كما
هي لأي طفل آخر، وهي جزء من المرحلة القادمة من حياته ولبنة من لبنات التفوق،
فزيادة تحميل الطفل طاقته واستنزاف إبداعه في غير مكانه ووقته لمجرد المفاخرة به و
تجيير تفوقه لوالديه ولمن حوله نوع من الأنانية التي تأتي من ذوي المبدع، حتى لو
لم يقصدوا ذلك، ويكون محصلتها مبدع بدون إبداع وعقل بلا تركيز وتفوق بغير محله.
لعل من أهم هذه الأسباب طريقة تعامل مجتمعه معه أثناء طفولته وربما
يكون التقدير لمستوى ذكاءه وتفوقه غير واقعي وأكبر من قدراته.
ومن تلك الصور ما يطلبه الوالدان من
ولدهما أو أولادهم المتفوقون لتحقيق المزيد والمزيد من الإنتاج والتفكير والتقدم
وإبراز الكثير من منتجاتهم العقلية وذلك بدفعهم لمضاعفة جهودهم واختصار الوقت
والجهد أياً كان العلمي أو العملي أو التعاملي والإدراكي وذلك بحسب توجهاتهم لهذا
الإبداع .
ما يتحول إبداع وتفوق الطفل إلى مجرد تحقيق لطموح الوالدين –
أو أحياناً من هم في مقامهما - اللذين لم يحققا ذلك الطموح أثناء حياتهما أو في
صغرهما، وهذا الفعل يعود بالنتائج العكسية على حساب النواحي النفسية والاجتماعية
والأخلاقية وخلق إرباك للبيئة الطبيعية التي يفترض أن يعيشها هذا الطفل وحرمانه
منها فهو أولاً وأخيراً طفل وفي مرحلة الطفولة التي لها متطلباتها واحتياجاتها ولا
يجب استغلال جانب منها لأي غرض آخر حتى وإن كان هناك من يخالف هذا الرأي بدعوى
الشد من الأزر وتطوير الذات والقدرات و التحفيز وما إلى ذلك من الأمور التي لابد
منها ولكن حسب برامج مدروسة وبعناية ولها وقتها وفي كل عمر لها أسلوبها الذي تنفذ
فيه.
· الإحباط النفسي Frustration:
وفي المقابل نجد أن الإفراط الزائد من قبل
الوالدين أو الأسرة في رعاية وحماية والتعظيم من قدرات الطفل الموهوب فضلاً عن
الكثير من الحرص والحنان والإغراق العاطفي اللامحدود يخلق لدى الطفل الموهوب بما
يسمى بعقدة النقص(Inferiority complex) ، خاصة إذا ما واجه
الحياة ووجد بأنه كان مخدوعاً بمن حوله الذين بالغوا بتقدير مستوى ذكاءه وبالتالي
طريقة التعامل معه، حيث يشعر ـ وخاصة في أواخر مرحلة الطفولة وبالطبع ما بعدها ـ
بالإحباط الذي يولد النقص بسبب شعوره بوجود عيب في شخصيته إذا ما قارن
نفسه بالآخرين، مما يعود عليه بالتوتر والقلق، و يسبب له مشكلات نفسية وخاصة
الإحباط الذي يفتت من إبداعه ويجعل منه إنسان (متماسك إلى حد ما) ولكن بذكائه
وفطنته الفطرية وليس الحالة الطبيعية المفترضة التي لو وجدت أو تهيأ وجودها لديه
لكان خير على خير، ولتفوق فعلاً على أقرانه ولأصبح الذكاء إبداعا وتفوقاً على
الأرض والواقع.
إذا ما حدثت لديه عقدة النقص فإنه يسعى إلى
التعويض بطرق عديدة و يحاول أن يصحح أخطاء التربية في المراحل السابقة، وهنا نجد
أن المتفوق قد يحالفه الحظ ويسير إلى الطريق الصحيح إذا ما وجد رعاية لاحقة ولو
كانت متأخرة.
و كذلك قد لا يعمل على التوجه الصحيح، وقد يحاول فيفشل بقوة
الإحباط والتوتر، فيتوجه إلى طرق أخرى غير سوية أو غير مفيدة أو يتوجه للانحراف
هنا يسخر ذكائه وتفوقه في فساد نفسه ومجتمعه، وهذا ما نحذر منه.
2. إهمال الوالدين للحاجات الأساسية للطفل
الموهوب:
وهذه الحاجات بالعبارة المختصرة
لا تختلف كثيراً عن حاجات أي طفل سوي آخر، ولكن لا بد من الأخذ بالاعتبار الفروق
الفردية التي يتميز بها هذا الطفل الموهوب أو المبدع، فمثلاً خلال اللعب نلاحظ أن
الطفل يدرك الألعاب أكثر من الأطفال الآخرين، و كذلك في المراحل الدراسية ويجب
الاهتمام بتثقيف الطفل المبدع في مجال هوايته بالقراءة والاطلاع، والشرح وترك فرصة
له للتفكير والاستنتاج وكذلك اكساب الطفل مهارات التفكر والتفكير والتحليل، وكذلك
اعطاءه الفرصة لإبداء الرأي والحل..
(*) تم نشر هذا المقال في مجلة الموهوبين يناير 2009
المستشار النفسي / د. عبدالله عبدالعزيز المنيع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق