الأربعاء، 1 يناير 2014

انتحار طفل بسبب السخرية!...هل انتحر أم قتل ؟ ولماذا ؟

) انتحار طفل بسبب سخرية زملاءه .. من قتله ولماذا!! (


بقلم/ د. عبدالله عبدالعزيز المنيع

       هذا ملخص خبر شاهدناه في صحف اليوم عن هذا الطفل الذي غادر الحياة ببراءة الطفولة، وبجريمة صنعها وخطط لها غيره، ونفذت على يديه، كحل للخروج من أزمة نفسية وضعه فيها مجتمعه الصغير وغالباً الكبير...

صغيرنا الذي قضى انتحاراً، كان لديه إعاقة أو تشوه في إحدى يديه منذ ولادته، لم يختار أن يصاب بها ، إنه قضاء الله وقدره، الذي قد يصيب أي إنسان في أي مكان ومستوى معيشي وأي عمر  .. لم يكن يعلم هذا الطفل البريء أنه سيعيش وينشأ في هذا المكان، ولم يكن يعلم أن هذا مجتمعه ولا هؤلاء هم والديه وأخوته..

هذا الطفل كغيره من العشرات بل المئات من أمثال حالته، هم كذلك كطفل فضل التخلص من حياته على البقاء بالتعاسة، ولكنه لم يمت بشكل طبيعي ؟ لقد قتل بأدوات أشد خطرا وفتكا من الأسلحة التقليدية! نعم قتل مع سبق إصرار وترصد، قتله كثير من أبناء مجتمعه، أقرباءه، أصدقائه ومعلميه، وكثير من زملاءه في المدرسة وربما شارك بقتله بعض أفراد أسرته؟

لم يجد هذا الطفل المسكين أي وسيلة دعم وتشجيع ورفع معنوية وتأهيل نفسي سوى الاستهتار والسخرية، وكل مشكلته أنه ابتلي أن ولد ونشأ في هذا المجتمع أو ذاك..، في أجواء لا تفقه أسلوبا للتعامل سوى الاستهتار والسخرية والعنف والاستهزاء ، فأصبح الكثير وخاصة في مجتمعاتنا لديه اسم بالبطاقة ولقب يكرهه، ألصق به في فترة ضعف أو مراهقة أو طفولة لا يتحملها.. فحُمل طيلة حياته لقبا سيئا وحمله أبناءه وأحفاده ! وسط ترحيب وتداول من عقلاء المجتمع بشكل مريب غريب!! وتقبل ثقافي مقيت مميت ؟ فكيف نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، الم يحرم ربنا بصريح الآية "ولا تنابزوا بالألقاب" !

نعود لطفلنا البريء .. فقد يأتي من يقول أن السخرية جاءت من أطفال صغار لا يدركون! فنقول له :
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت  ** ولا تلين إذا كانت من الخشب ؟

نعم كثير منا يربي أبناءه على مساوئ الأخلاق عندما يكونون بين يديه وبخلوة معه، يعلمه الكذب والخداع، الغش والرياء، يعلمه فنون الحقد والحسد على الآخرين، ويعلمه اللمز والاستهزاء والاستهتار.. واحتقار الآخرين بسبب نوع جنسهم أو عرقهم، أو لونهم، والسوء كل السوء عندما يكون كل ذلك موجهاً ضد من ابتلي بإعاقة أو اضطراب نفسي أو جسدي..

وجد علماء النفس أن من أقوى مسببات الاكتئاب مصدرها الرئيس هو استهتار الآخرين والهمز واللمز والسخرية..! لأن هناك تناسب عكسي بين الثقة بالنفس و درجة الاكتئاب، فكلما ارتفعت معنويات الانسان انخفضت درجة الاكتئاب وزادت ثقته بنفسه، وكلما همش أكثر أو استهتر واستهزأ به ارتفعت درجة الاكتئاب تدريجيا.. وتصل للهم والحزن الشديد، وفي أقصى حالاتها إلى الانتحار!



فلماذا لا نؤسس أبناءنا على مكارم الأخلاق؟ ومن هو المسؤول عن وجود هذا الألم الكبير، لشريحة مهمة في أي مجتمع بشري.
أيها الأب.. أيتها الأم.. أيها المعلم والمربي وولي الأمر... يا من ولاك الله نفسا طاهرة بريئة.. أرجوك إن لم تحسن التعامل معها تربية وأدبا وتعاملا وحسن خلق.. فكن على الأقل محايدا ولا تفسدها بسوء أخلاقك أوسوء تربيتك وسوء عاداتك وتقاليدك وسلوكك الشخصي.. فأنت بهذا الصنيع لا تضر نفسك وحسب، بل وتفسد جيل بريء ، يذهب بأخلاقك التي تتمثل بها شئت أم أبيت.. قصدت أم لم تقصد!

 الأطفال يلتقطون كل شئ من آبائهم، ورقة بيضاء ويسلموا بها ويتعاملوا مع الآخرين بذات المفهوم وبتلك الألفاظ والأدوات التي يرونك تصف أو تتعامل بها مع الآخرين ،، فإذ ما وجدت أنهم آذوا أحدا أو اخطأوا بحق كبير أو صغير ، او استهزأوا بمعاق أو فقير ، أو لمزوا بعرق أو جنس ولون... فلا تأتي لتلومهم وتغلظ عليهم ، فقد تخسرهم إلى الأبد بسبب تناقض صنيعك وتهافت قيمك أمامهم..
وإذا ما كبروا وأصبحوا أعضاء فاسدين أو مفسدين، أو على الأقل غير أكفاء في التعامل مع الآخرين في أي مجال من مجالات الحياة في المجتمع ، فلا تتهرب وتحمل مسؤولياتك..

نعم المقصود بالحديث كل فرد ذكر أو أنثى، وبمجموع الأفراد يتكون المجتمع الذي يجب أن يتميز بهذه الأخلاق التعاملية التي ليست أحلام، فقد طبقها إسلافنا قرون عديدة مديدة، واستلهمتها شعوب وأمم نراهم في واقعنا الآن، فهي ليست حكرا على أحد، و وكل شئ يمكن اصلاحه..
 واختم بقول الشاعر:
مشى الطاؤوس يوما باعوجاج!
فقلد شكل مشيته بنوه!
فقال:علاما تمشون باعوجاج؟
قالوا: سبقت به ونحن مقلدوه!
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه..

)فهل علمنا من الذي اغتال هذا الطفل البريء وأمثاله، ولماذا )؟


***********

*تويتر/ د.عبدالله المنيع:   Dr_manea@

   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق