الجمعة، 3 نوفمبر 2017

الأثار النفسية والاجتماعية للبطالة


د. عبدالله عبدالعزيز المنيع

عندما تكون الشهادة الجامعية أو شهادة التخرج هاجساً نفسياً واجتماعيا للمتخرج وأسرته لاسيما أبويه الذين سهروا معه سنوات طويلة منذ نعومة أظفاره ومنذ أن بدأ رحلة الدراسة في سنته الأولى مروراً بفرحتهم لأول شهادة يتحصل عليها وانتهاءً بالشهادة التي تحصل عليها سواء كانت جامعية أو أقل أو أكبر.. فلم يبخلوا عليه بالجهد والمال والنفقة التي يغلفها الحرص والمتابعة والحب والعطف التي تمتزج بشيء من القلق على مستقبل هذا الإبن أو تلك البنت.. وكذلك الابن تبدأ معاناته بعد التخرج ومعها تتضاعف معاناة الأسرة ، حيث تتحطم الآمال على صخور البطالة Unemployment، وكأن لسان حالهم ومقالهم يقول: ياليتنا نتحصل على عمل حتى ولو كان بما يسمى بالبطالة المقنة أو المغلفة Disguised unemployment ، فالمهم أن نشعر بالحياة والنوم مبكراً والعمل والعودة والحصول على مرتب لنبني حياتنا ..
 ولكنها تتمزق الأفكار والطموح والنظرة للحياة العملية وبناء المستقبل عند وتتكسر مجاديف الأمل عند بوابة اللا عمل !! يا لها من مأساة وموقف حزين يلف الأسرة والمجتمع ويكون ضحيته الأولى ذلك الشاب الذي لن يجد أمامه (غالبا) إلا أحد طريقين يفترقان برهة من الزمن ثم ما يلبثان إلا أن يجتمعان في طريق واحد، أما الطريقان فهما إما البطالة بالجلوس مع الأصدقاء في الاستراحات أو الأرصفة ومسامرة أجهزة التواصل والجوال أوفي المقاهي وسهر الليالي وتعلم العادات القبيحة وكثرة النوم والجلوس عالة على أنفسهم وأسرهم والمجتمع،  أو الطريق الآخر وهو الانضمام إلى الشلة - أو تطوير ذات شلة الاستراحة - وتكوين عصابة إجرامية غالباً تبدأ بالاحيال وممارسة السرقة وجرائم الاختلاس بحجة البطالة وعدم وجود عمل، وأما الطريق الأقل سلوكاً فهو الصبر والالتزام بالبحث حتى ييسر الله عملا مناسباً.. فالمكوث فيه صعب أيضاً لقلة وجود العمل أصلاً، أو وجوده مع عدم مناسبته حقيقة لسبب أو آخر!! وقد يتحول الكثير من الشباب والشابات إلى سلوك طريق الشللية والفساد، ولقد شاهدنا في العديد من دول العالم العربي والعالمي كيف يتحول عدد لابأس به من الفتيات إلى الدعارة والفساد وكيف يتحول الأولاد إلى مروجي مخدرات أو أن يسلك الطرفان طرقاً غير شرعية للحصول على المال والعمل. وأنا هنا لا أبالغ إن ظن البعض أن مجتمعنا بعيد عن هذه الأشياء فلاشك بأن مفعول البطالة النفسي والاجتماعي خطير وقاتل سواء بتراكم المشكلات الاجتماعية أو النفسية كالاكتئاب الذي هو انعكاس لعدم الثقة بالنفس والتوتر والقلق والمشكلات التي تتعلق بتقديره لنفسه تعكس تقدير الناس له ، فهو إن فقد التقدير فقد تساوت لديه الأمور ولا فرق بين أن يرتكب جريمة أو أن يقدم على الانتحار! وهذا السلوك نطلع عليه بين فينة وأخرى ونراه كمثال في أولئك الشباب الذين يمارسون (التفحيط و التطعيس أو المغامرات الغير محترفة) في سيارات كثير منها مسروق، ولاتندهش إذا قلت لك جازما ومن تجربة مع بعض هؤلاء الشباب أنه عندما يمارس التفحيط القاتل وبسرعة جنونية فهو يعبر عن شيء داخلي نفسي بداخله، وهو (الانتحار) ولكن لعوامل عديدة وأسباب ثقافية واجتماعية لايصرح بذلك، رغم انه قد يحصل له حوادث قاتلة وقد يقتل جماهير ولكنه يعاود الكرة لعله يغادر حياته المحبطة والمكتئبة.. انه يا سادة وببساطة يريد أن يقتل نفسه وينتحر بطريقة مثيرة ، فهو باختصار عاطل غالبا وليس له هدف من الحياة، فمتى يدرك المسؤولين ذلك، ومتى تدرك المؤسسات الرسمية المختصة والاجتماعية والأهلية والبنوك مسؤوليتها التي تقف كشاهد لم يرى شيئاً !؟ .فإن كانت تدري فتلك مصيبة وإنا كانت لا تدري فالمصيبة أعظم!
اتصل بي شاب طالباً إستشارة نفسية بسبب البطالة والاحباط وعدم وجود عمل رغم حصوله على شهادة وتخصص مطلوب ومهم.. وأن هناك الكثير من العقبات والشروط المرهقة لشغل أي وظيفة كانت، بينما يمكن الحصول عليها بالواسطة أو بطرق أخرى بسهولة..!! وكان يتألم ويتحسر على نفسه وعلى الكثير من زملائه وهو يقول كيف أن بعضهم تحول للإرهاب وبعضهم إلى الفساد والاجرام والبعض مازال يكافح متوقياً بسلاح الصبر والأمل الذي يوشك أن ينفد مع ما يتحمله من آلام القلق والاكتئاب وكثرة الأفكار السلبية .
 ورغم الجهود التي تبذلها وزارات ومؤسسات حكومية لا تنكر ولكنها ومنذ سنوات طويلة لم تأتي بما يشفي الجروح ويهديء النفوس، وكأنها تدور بمكانها، وليس أدل على ذلك من اقرارها سعودة أسواق الخضار وغيرها قبل سنيات، وأدعوهم للذهاب لأسواق الخضار ليروا من يسيطر عليها، بل هل يوجد مسعود فيها؟ فهل ذهب القرار بأم عمر ، أم أن الشق أكبر من الرقعة.. فمن المسؤول عن امكانية ضياع مكون هام في الوطن بضياع نسبة من شبابه، رغم أن البلد يمر بحال مادي واقتصادي جيد ! فهل هناك مخطط لوجود هذه البطالة ؟ في الوقت الذي ينظر عدد مهم من التنفيذيين والاقطاعيين سواء أكانوا مسئولين أو تجار بأن هذه أي طفرة في البلد لابد من استغلالها وجمع أكبر قدر من المال والثروة له ولشركائه وأسرته، وليذهب شباب الوطن والمجتمع إلى البحر! .. مجرد سؤال ، فهل من مجيب ؟

تويتر / @Dr_manea









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق