د. عبدالله بن عبدالعزيز المنيع (*)
ينظر كثير من علماء
النفس في عصرنا الحاضر إلى نظرية العالم الأمريكي ألبرت إلس Albert
Ellis كواحدة من أهم مدارس علم النفس في
العلاج المعرفي، والتي يرى فيها أن الاضطرابات النفسية إنما هي نتاج للتفكير غير
العقلاني الذي يتبناه الإنسان، لذا فهو يعتقد أن السبيل إلى الحد من المعاناة
النفسية هو التخلص من أنماط التفكير الخاطئة وغير العقلانية، حيث أشار إلى أن تلك
العملية تمر في ثلاث مراحل سميت (ِِA B C):
· الحدث المنشط: (A) Activity or Action
· المعتقـــــــدات: (B) Believes
· النتائــــــــــــج: (C) Consequences
فإذا ما حدث لفرد ما نشاط أو تصرف
مثير أياً كان في حياته (A)،
فنجد إما أن يكون لديه تجاه هذا الحدث اعتقاد عقلاني أو غير عقلاني (B)،
و بذلك يكون تصرفه حسب نتاج تفكيره (C).
ويؤكد إليس على أن الدور الرئيس الذي
يجب أن يقوم به المعالج النفسي هو إحداث تغيير فلسفي عقلي عميق، وذلك للتغلب على
الاضطرابات الناتجة عن المعتقد (B).
وأشار
لهذه الطريقة بالعلاج العقلاني الانفعالي السلوكيRational
Emotive Behavior Therapy ويشير ألبرت إليس إلى إحدى
عشرة فكرة لاعقلانية تتطور لدى الناس وتؤدي حسب رأيه للاضطراب النفسي، وهذه
الأفكار اللاعقلانية هي:
(1) من الضروري أن يكون الإنسان
محبوبا ومرضاً عنه من قبل المحيطين به بلا استثناء... وفي
رأي أليس هذه الفكرة غير عقلانية ومنطقية فإرضاء الناس غاية لا تدرك، وإذا اجتهد
الفرد للوصول لهذا الهدف فقد اعتمد على الآخرين وقل شعوره بالأمان مما يزيد من
إحباطه ولا يحقق مراده، وجميل إن يسعى الإنسان ان يكون محبوباً من الآخرين ولكن
ليس على حساب توكيد ذاته .
(2) أن يكون على درجة من
الكفاءة والمنافسة والإنجاز حتى يمكن اعتباره شخصية ذات أهمية... وهذه
ايضاً فكرة غير منطقية بل يستحيل تحقيقها بشكل كامل او دائم واذا سعى الى ذلك فقد
ينتهى به المطاف للاضطرابات النفسية و الشعور بالنقص والخوف من الفشل، والصواب أن
يفعل الانسان ذلك من منطلق الجهد والهمة العالية والمصلحة لتطوير الذات وليس لأجل
الآخرين وعليه كما قال المثل: أن يسعى وليس أن يحقق النجاح، فمجرد السعي هو نجاح
بحد ذاته.
(3) بعض الناس يتصفون
بالشر والوضاعة والحقارة والجبن فلذلك يستحقون أن يوجه لهم اللوم والعقاب...وهذه
فكرة غير منطقية فليس هناك معيار مطلق للصواب وللخطأ، وكل البشر معرضون للصواب
والخطأ، وأي تصرف خاطيء أو غير أخلاقي قد يكون نتيجة لعوامل متعددة كالجهل او سوء
الفهم او مشكلة نفسية..ثم ان التأنيب والعقاب قد لا يعالج المشكلة بقد ما يزيددها
سوءاً، والعاقل المنطقي التفكير لا يشغل نفسه بلوم الآخرين أو العكس بل يسعى بقد
استطاعته ليوازن بين الأمرين من حيث التفهم والإصلاح.
(4) أن لمن المؤسف إذا لم تسير
الأمور كما نشتهي ونتمنى...وهذه فكرة غير منطقية، لأنه من
الطبيعي أن يتعرض الإنسان لأشكال من المنع والإحباط والصدود، فهذه طبيعة البشر
كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم..، والغير منطقي أن ينتج من هذا الأسف الحزن
الاكتئاب لأنه لن يغير شيئاً من الواقع بل على العكس من ذلك، والصواب تقدير الأمور
مقاديرها وعدم المغالاة فيها سلبياً، بل تقبلها كما هي عليه إذا لم يمكن تخفيف
حدتها.
(5) أن الأشياء الخطيرة والمخيفة
هي السبب للانشغال الدائم، ويجب على الفرد الحذر منها وتوقعها حتى لا تداهمه
فجأة... وهذه
فكرة غير عقلانية لأن المدرك بعقل يعلم بأن القلق المستمر وتوقع المخاطر والمصائب
لن يردها، ويدرك بأنها لن تكون بالصورة المفجعة التي تستحق أن تعايش الإنسان في
حياته، بل على العكس لا تخلو الممشكلات من فوائد:
ولرب نازلة يضيق لها الفتى
ذرعاً
وعند الله منها المخرج
(6) أن الهموم والتعاسة تنتج من
ظروف خارجية ليس للفرد قدرة للتحكم فيها... وهذه
فكرة غير منطقية وهروب من الواقع وانهزامية لها أثر سلبي على نفسية الفرد فإذا كان
الأمر أن سبب تعاسة الإنسان ظروف خارجية فهي خارجية فلماذا يجعلها تتغلغل إلى نفسه
مما يسبب له الإحباط والألم.
(7) أن من الأسهل على الإنسان أن
يتجنب مواجهة صعوبات الحياة والمسؤوليات الشخصية لا أن يواجهها... وهذه
فكرة غير منطقية وهروب من الواقع وانهزامية أيضاً والحقيقة
والمنطق عكس ذلك فالحياة التي تتسم بالمسئوولية والتحدي وحل المشكلات هي الحياة
الأسعد، ثم إن تجنب المواقف الصعبة لا يعني إنها أصبحت حرزاً له منها فهو جزء لا
يتجزأ من المجتمع.
(8) أن على الإنسان أن يعتمد على
آخرين أقوى منه ليسندوه... والإطلاق في هذه الفكرة أمر غير
منطقي وعقلاني فالاعتماد الكامل على الآخرين أو شخص آخر إنما هو هدم لبناء
الشخصية، ويؤدي الى فقد الاستقلالية بل إن الاعتمادية طريق لانعدام الامن و تعثر
التعلم، و الشخص العاقل يوازن بين الامور ولابد من الاعتماد احيانا او المساعدة من
الآخرين ولكن لايكون ذلك امراً دائماً حيث يكون تحت رحمة الآخرين.
(9) أن الماضي وخبراته
محددات لسلوك الحاضر، وتأثيرات الماضي لا يمكن إزالتها ... وهذه
كذلك فكرة غير منطقية فالماضي جزء هام في حياة أي شخص او مجتمع، وقد تكون خبرات
الماضي تجارب لتغيير سلوك الحاضر وتجاوزها اذا كانت سلبية ، كذلك ينظر الى الماضي
بفترة لها ظروفها وحاجاتها وللحاضر كذلك ظروفه ومحدداته التي تسيه.
(10)
يجب أن يحزن الفرد لهموم الآخرين ومشكلاتهم والأحداث الغير سارة لهم... وهذه
فكرة غير منطقية، لأنه من الطبيعي أن يتعرض الناس لمشكلات أياً كانت وبشكل لا
يتوقف فإذا كانت مصدر حزن وانشغال له فقد يؤدي به ذلك لأنواع من الاضطرابات التي
تجعله حتى غير مهتم بمشكلاته وظروفه والصحيح إن يحاول حل مشكلاته وأن يساعد
الآخرين على تجاوز مشكلاتهم قدر استطاعته دون أن يكون لها أثراً سلبياً على ذاته.
(11) هناك حل مثالي لكل
مشكلة وإذا لم نجد الحلول الجيدة والسريعة لمشكلات الحياة اليومية فذلك أمر فظيع
ومؤلم... وهذا
أمر غير منطقي وغير مقبول فلا يوجد حل مثالي وكامل، والسعي وراء هذا الشيء نوع من
العبث الذي لاطائل منه وتكون نتائجة حلول اضعف مما كان متوقعاً بكثير وباللتالي
القلق والخوف، و العقلاني يسعى لايجاد حلول متنوعة ويناغم بينها ويختار
افضلها واقلها ضرراً وقد قيل قديماً " إن الزجاجة كسرها لا يشعبُ "
ويجدر الإشارة أخيراً بأن هذه
الأفكار اللاعقلانية لا يختص بها فرد جميعها ولكن قد يجتمع في شخص واحد أكثر من
فكرة وقد تقل أو تكثر وقد يكون متمسكاً بفكرة واحدة وتفسد عليه حياته وهو لايعلم،
وكذلك يمكن إن يختلف عدد وكم الأفكار المنطقية من مجتمع لآخر حسب ثقافته.
وأخيراً لابد أن نلاحظ بعض النقاط
الجميلة في هذه النظرية :
v
إن
قبول أي فكرة والاعتقاد بها والتحدث بها داخلياً طريق للاضطرابات النفسية دائماً.
v
إن
وجود اللازميات في فكر واعتقاد الفرد مثل : لازم ، لابد ، ويجب ، وضروري...
اشكاليات تجر للاضطرابات النفسية، حيث أنها تجر للعدوانية والكبت والتعصب..
v
إن
هناك ارتباط بين الفكر والاعتقاد والسلوك، وأي تغير في احدهما ينعكس على الآخر.
v
في
حال وجود افكار لا عقلانية واخرى عقلانية فلا شكك بان الافكار اللاعقلانية ستنكمش
بمجرد التفهم والنظر بعين الواقع للحقائق في الحياة والتجرد من الأفكار الشاذة.
v
هل
فتشت عن نفسك اخي القاريء الكريم ووجدت شيئاً منها؟! إذاً فسارع إلى تعديل أفكارك
اللاعقلانية لتريح نفسك ولتسعد حياتك.
---------
* نشرت في مجلة الحماية الانسانية 2007
/ 12
د. عبدالله المنيع / تويتر @Dr_manea
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق