الأحد، 3 نوفمبر 2013

مشكلة عبارة ( الله لا يغير علينا)


مشكلة عبارة ( الله لا يغير علينا)


د. عبدالله عبدالعزيز المنيع *



( تغيير) كلمة سهلة ثلاثة أحرف فقط إثنان منها مكرر! وهذا يعني أن هناك عمل وجهد في عملية التغيير ويشمل المراجعة لجوانب كثيرة في الحياة.
 الكثير من الناس يعتقد أنه لطيف محبوب، وقد يغتر من بعض أصدقائه أو المنتفعين من حوله بشخصيته، ولكن الحقيقة غير ذلك، يجب أن يراجع الإنسان نفسه ويعرف عيوبه ليصلحها، علماً بأن تغييرها عملية صعبة ولكنها مثمرة ، معظم الناس لا يريدون التغيير، ويرددون كلمة حق تستهلك دائماً بغير مكانها ( الله لا يغير علينا) !!
 وهل أنت راض عن وضعك ونفسك وأسرتك ومجتمعك .. حتى تدعوا أن لا يغير الله من حالك ، كان الأجدر أن نقول " الله يغير حالنا إلى كل خير وأحسن".

 يقول لي أحد مدراء واحدة من أكبر الشركات الخليجية أن أحد أهم موظفيه أتى وقدم إستقالته وهو عابس الوجه معلل بأنه يكره العمل تحت إدارته!ولما حاول معه بالحوافز المالية وغيرها؛ أجاب: أنك إنسان قاس ولا تعير إهتماماً لأحد؟ يقول : فبدأت أفكر حيث اعتقدت بأن الجميع يحبني لأنني إنسان لطيف كريم، وامازح الآخرين وو..الخ ، ولكن حصلت المفاجأة عندما علمت بأن معظم الموظفين لا يريدون العمل معي، وزاد الأمر قساوة علي عنما علمت بأن أسرتي أيضاً يجاملونني حرصاً على بيضة الأسرة ، وانهم يعانون من طريقة حياتي و بتهميشي لهم..، قالت له ابنته في أحد الأيام بعد نقاش حاد:" بأنك متسلط رحيم، وتضحك وأنت قاس ، ولا تأخذ برأينا رغم أنك تعتقد بأنك توفر إحتياجاتنا المادية ونحن بحاجة إلى الإحتاجات النفسية أكثر..

 يقول: من هنا تنبهت إلى أنني أسير في الطريق الخطأ، ولكنني تداركت الوضع، وقررت أن أغير من سلوكي ومن نفسي ، بل قررت بأن أغير من حياتي، بل من أسلوب الحياة نفسها، مع النظرة لنفسي، التعامل مع الزوجة ، الأبناء ، الأقارب والآخرين قررت حالاً بأن أضع برنامجاً للتغير الشامل وقد وضعت خطة على مراحل دون حماس مؤقت وعلمت بأن التغيير أمر قد يكون صعب وقاس، وقد يكون فيه تنازلات وتغيير من سلوكيات إعتدت عليها، بدأت بهدوء، وقد واجهت مصاعب كالجبال ( في نظري) ولكنني إكتشفت بأنها من شيم الكبار، بدأت أطلع على سير المتواضعين رغم أنهم أعلام وعلماء، بدأت أسأل وألتمس عيوبي وأقرر حالاً تغييرها، شعرت أحياناً بالآخرين من حولي ما بين مستهزء، ومستنكر وما بين مهبط ومشجع ، شعرت بأنني أتقدم ولو كان ببطء، ولكنني أتقدم، كنت على تواصل دائم بأحد الناجحين رغم تواضعه ومحبة الناس له، كنت أسأل وأستشير، وأسير إلى هدفي دون رجوع إلى الوراء ولو لإلتفاته..

 نعم خسرت أصدقاء كانوا على تلك الشاكلة حولي وحاولوا أن يوقفوني ، فلما يأسوا قرروا أن يتخلوا عني ، فكان خير لي، رغم أنني خسرت منهم مصالح دنيوية ، نعم التغيير صعب ولكنه ممتع وجميل ، مر ولكنه لذيذ ، طريق غير معبد ولكنك ستجدها أجمل رحلة في حياتك، نعم قد حققت ذلك ووجدت بأن الآخرين بدأوا يقدرون ذلك سواء في الأسرة أو العمل، وكذلك بين الأصدقاء والأقرباء، بل في المجتمع ككل. فإنني أقدم نصيحتي بأن يسارع كل أحد بتفقد حاله ووضعه، لا يقل أنا ليس لدي شيء مثلك ، التغيير لكل أحد ذكر وأنثى الأمير والغفير، العامل والمدير، صاحب المليار ومن لا يملك الدولار، جميعاً يجب أن نتغير،فلن تتغير حياتنا للخير إلا عندما نتغير،قال تعالى:  " إن الله لا يغير ما بقوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم" .

 وما أجمل وأنفع من كلمة تكتب بماء الذهب للخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يقول: " رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي "، وكان يسأل سلمان عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه. 
قال: أعفني يا أمير المؤمنين فألح عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل.

قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال: لا، قال: أما هذان فقد كفيتهما. 

وكان يسأل حذيفة ويقول له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق. 

يقول أحد العلماء :" فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه.فكل من كان أرجح عقلا وأقوى في الدين وأعلى منصبًا، كان أكثر تواضعًا، وأبعد عن الكبر والإعجاب وأعظم اتهامًا لنفسه، وهذا يعتبر نادرًا يعز وجوده. فقليل في الأصدقاء من يكون مخلصًا صريحًا بعيدًا عن المداهنة متجنبًا للحسد يخبرك بالعيوب ولا يزيد فيها ولا ينقص وليس له أغراض يرى ما ليس عيبا عيبًا أو يخفي بعضها . قيل لبعض العلماء، وقد اعتزل الناس وكان منطويًا عنهم: لِمَ امتنعت عن المخالطة؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي.
فكانت شهوة صاحب الدين في التنبيه على العيوب، عكس ما نحن عليه، وهو أن أبغض الناس إلينا الناصحين لنا والمنبهين لنا على عيوبنا، وأحب الناس إلينا الذي يمدحوننا مع أن المدح فيه أضرار عظيمة كالكبر والإعجاب والكذب. 
وهذا دليل على ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة أعظم ضررًا من الحيات والعقارب ونحوها. ولو أن إنسانًا نبهك على أن في ثوبك أو خفك أو فراشك حية أو عقربًا لشكرته ودعوت له وأعظمت صنيعه ونصيحته واجتهدت واشتغلت في إبعادها عنك وحرصت على قتلها...". 
يقول لي صاحبي هذا المدير الذي غير حياته: عندما أقارن بين الوضع سابقاً وحالياً أجد بأنني كنت مسكيناً ضعيفاً رغم شعوري بأنني على صواب، وعندما أتصور نفسي بانني لم أقم بالتغيير ولم أبادر بهذه الخطوة فلا شك بأن مصيري سوف يكون مشروع دكتاتور ظلم نفسه وأسرته والمجتمع من حوله، أو أن أكون إنساناً خاوياً ضعيفاً لا يعلم بالحياة من حوله. 

    *تويتر / د. عبدالله المنيع      @Dr_manea     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق