الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

أنا أول المؤيدين لقيادة المرأة للسيارة ..!

أنا أول المؤيدين لقيادة المرأة للسيارة ..!



بقلم / د. عبدالله عبدالعزيز المنيع*


لما تأملت كثيراً من مشكلات مجتمعاتنا السعودي وخاصة في جوانب النقاش والجدل والاهتمامات الفكرية المتنوعة والتي تنعكس على الواقع - والتي أيضاً كان آخرها الجدل حول قيادة المرأة للسيارة - وجدت بأن طرفي النزاع يكمن حول:
 طبقة صغيرة ثرية جدا ونافذة وقد لاتزيد نسبتها عن ١٠٪ وتملك وتدير ربما ٩٠٪ من شؤون وثروات وإعلام ومناصب البلاد العامة والخاصة،، ويساندها اتباعها من مرتزقة الاعلام وأصحاب الهوى والمصالح ،، ويساندهم أيضاً من حيث يدري أو لايدري أقوام (مع الخيل يا شقراء) وغيرهم من المغرر بهم من مختلف شرائح المجتمع حتى من علماء الدين..! 

 وفي المقابل الفئة العريضة من المجتمع والتي تمثل قرابة ٩٠٪ من الشعب ولكنها لاتملك وتدير إلا اقل من ١٠٪ من الثروات والمناصب والإعلام..، وهذا لايعني أن ليس لدى الطبقة الأولى خير أو رحمة ، أونعتها بأنها فاسدة- فالتعميم ليس منهجاً-..، ولكننا لسنا أغبياء بدرجة تجعلنا لا نفقه ما يدر حولنا، فقد عودونا أن أي عمل يقومون به  لمصلحة المجتمع بدعم مادي أو معنوي أو رأي أوغيره يكون إما مقرون بمصلحة تعود عليهم، أو بسوء يعود على مخالفيهم !! وذلك كالذي يفعل الخير لا للخير، ولكن لكسب مصلحة بالضرورة، أو للانتقام أو للانتقاص من طرف آخر لا يريده، أو يريد اسقاطة لحاجة في نفسه، وهذا ما نراه ظاهرا في كل يوم..!


فالثراء الفاحش يفضى إلى الترف الفكري الذي يؤدي بالضرورة -غالبا- إلى ترف اقتصادي واجتماعي وأخلاقي في المسكن والمركب والملبس...، يلازمه تطرف في أسلوب الحياة كما نسمع ونرى من الترف الفكري والأخلاقي والتعاملي في شتى جوانب الحياة لدى هذه الفئة ومقلديهم، ولا يخفى المنافسة والتغاير في كل شيء، وتتضح جلية في التغاير بالسيارات والطائرات والأثاث والأزياء..الخ، وأنفاق الملايين في بضعة أيام أو حتى ساعات في مسابقات الاستعراض الثرائي التفاخري السياحي في عواصم أوربية التي جعلت منهم أضحوكة وفاكهة للإعلام العالمي !! 


في هذه الدوامة الترَفِـية (بتشديد التاء) لايمكن أن يفكر احد من هذه الطبقات في أي مشكلة تمس الإنسان العادي فضلا عن المحتاج والضعيف! مما يجعلهم يركزون على مشكلاتهم التي لا تخرج عن دائرة مستوياتهم التي يتحكم فيها المستوى المالي والمعيشي الذي هم فيه، والتي يفرضونها على المجتمع بسبب قوة نفوذهم المالي والإعلامي والتنفيذي ، وهنا توجد الحلقة الأضعف في الطبقات أو الشرائح التالية من المتوسطة الثرية والمتوسطة الميسورة وكذلك من طبقات الشريحة الكادحة أو إن شئت فسمها المنتهكة حقوقها كالفقراء المحتاجين والمعاقين والأرامل والأيتام والغارمين والمرضي... الخ ، الذين تبتعد همومهم ومشاكلهم الحياتية عن طبقات أناس قريبون جدا منهم فهم على أقل تقدير إخوتهم بالوطن!

 وفي مفارقات أخرى فقد يكونون جيرانهم أو زملائهم أو حتى من ذات الأسرة - من الذين دخلوا لعالم الأثرياء المغيب عن واقع الحياة الحقيقي - وأصبح قريب منك في نفس المدينة أو الشارع والحي، ولكن بينك وبينه في طريقة التفكير والنظرة للحياة والآلام ولآمال بعد المشرق والمغرب! ففي الوقت الذي تبحث أنت عن علاج أو زواج أو مكان رزق وإنتاج لك أو لأحد إفراد أسرتك، أو تبحث عن ما يسد دينك أو حل لمشكلة ما، تجده ينفق أموال ضخمة في توافه التوافه من شهواته وهواياته - والتي هي في أحسن أحوالها الكراهية الشرعية والعرفية – فقد ينفق في يوم أو ليلة ما يعادل رواتب أهل قرية كاملة لمدة عام !! ...


وفي المقابل إذا انفق واحد بالألف منها، أو قدم خدمة ما مفيدة للمجتمع ، تجده يضخم ذلك العمل عبر المنافقين من الجلساء والإعلاميين والمرتزقة والمطبلين... فيجعلون منه وحيد زمانه، وفريد عصره، في الجود والكرم والتقى والأمانة... الخ ،ولو فكرت في أن تشكره على عمله الخير وتُـثَـني بالحديث عن أهمية مشاركة أو مساعدة مجتمعه بشيء يسير يعادل جزء من إنفاقه على لهوه ولعبه ، لخَلُصت بأن إنفاقه على هذه التوافه والكماليات أولى من علاج أو مساعدة وإنقاذ أخوة مسلمين قريبين له بالمكان والزمان وحتى بالوطن و بالرحم، بل تجده يبخل بجاهه أو رأيه في قضايا تهم المجتمع عموما، ولا تهمه كإصلاح البنية التحتية للمجتمع كالصحة والتعليم والبلدية والنقل والقضاء.. الخ؟ لأنها وببساطة إما أنه قد يستنفع من فسادها وفساد القائمين عليها لتضخيم ثرواته، أو لأنها لا تلامسه بحياته أصلا.. فهو يتغنى دئما بجمال ونظام أوروبا وأمريكا وينتقد وطنه وهو يأكل ثرواتها... وكأن لسان حاله يقول: ما ليس لي به مصلحة فليذهب إلى الجحيم.! 


ولا يلام هؤلاء، لأنهم وببساطة لا يشعرون بما تشعر به، ولا يعتقدون بل لا يؤمنون بآلامك وآمالك نهائيا!! ؟ فأسلوب الحياة والنظرة إلى مشاكل المجتمع الحقيقية ومشكلات الآخرين والطريقة التي صَمَمَ بها قدوتهم الأثرياء جدا حياتهم - والتي جاءتهم بسبب كثرة الاختلاط مع أثرياء العالم، وخاصة الغربيين منهم أو أذنابهم - جعلت أن الحياة ما هي إلا أرقام ومادة ليس إلا... 


نعود لقضية قيادة المرأة للسيارة والتي لا يختلف أحد على جوازها مجردة، ولكن الخلاف على آثارها ومشكلاتها المجتمعية والشرعية والتي لكل فريق رأيه تجاهها:


فريق التأييد الأكثر أثرا والداعم الأكبر إعلاميا وماديا وتنظيميا هم الأثرياء ذوي الطبقة الأولى، والأسباب كما قلت من باب الترف وتضييع الوقت والتحرر بزعمهم، فالمرأة تريد أن تقود وفي المقابل ليس لديها استعداد أن تتنازل عن السائق، ولكن تريد أن تقود للتحرر والتفاخر وإن شئت فقل بـ(الترزز) أمام الآخرين من أقرانها وغيرهم ، كما نرى الكثير منهم في دول عدة وهم على هذه الحال، فالسؤال: هل ياسيدتي إن سمح لك بالقيادة ستستغنين عن السائق ؟ بالطبع برستيجك وكبريائك وأسلوب الحياة لا يسمح . أليس كذلك!


وهناك فريق منهم ومن غيرهم يؤيد قيادة المرأة؛ لا لأجل مصلحة المرأة ، ولكن لأجل التحرر والتبعية والتفسخ بكل معانيها فهو يجدها فرصة لتحرر أكبر فقصده ليس القيادة بذاتها بقدر ما يريد أن يرى المرأة السعودية متبرجة بكامل زينتها ولباسها بلا حياء ويسعى لوجود الفساد والمراقص في شوارع بلاده ، فتتقاطع مصالحه مع مصالح الآخرين في هذه الجزئية ، فيساندها ويقاتل من أجل شهواته ، رغم انك تجده كثير من منظري هذا الفكر من التغريبيين أو كما يطلق عليهم الليبراليين والعلمانيين يعيش أصلا كثيراً من وقته خارج بلاده جسديا ومعنويا..!


هناك فريق آخر يؤيد قيادة المرأة للسيارة لأنهم فعلا يحتاجونها كأم الأيتام أو الأرملة والمطلقة والموظفة وغيرها من النساء اللاتي لايجدن من يقضي حاجاتهن ولا يملكن أجرة السائق، وقد تستغل ماديا أو معنويا إذا أكثرت من استخدام وسائل النقل الخاصة، في ظل عدم وجود وسائل نقل عامة في أنحاء البلاد كمترو الإنفاق والمونوريل والقطارات والباصات المحددة والمؤمنة والمتخصصة للنساء..وفي الابتزاز وانعدام الثقة و(ضياع الأمانة) من أولياء أمورهم أو القائمين عليهم.وهناك فريق مع الخيل يا شقراء-الذي ذكرت- وفريق التبس عليه الأمر وفريق أصحاب المصالح وضعيفي المبادئ وفريق المتأولين ومنهم مشايخ وعلماء دين وأدباء ومثقفين قارنوا بين المصالح والمفاسد، فاختاروا التأييد لقيادة المرأة .. وان كانوا قلة بالمقارنة بمن يخالفهم.. 


أما عن الفريق الرافض لقيادة المرأة للسيارة بقيادة التيار الديني المحافظ والذي يحضى بقطاع عريض من السكان ومنهم العلماء والمثقفين والمتدينين في شتى مجالات العمل من الذكور والإناث، فهم أيضاً لديهم دوافعهم الشرعية والاجتماعية والأخلاقية ، وهم لا شك الغالبية في المجتمع، ولكنهم لا يملكون ما يملكه الطرف الأول من الثروات والمناصب والإعلام كما ذكرنا سوى بعض الضغوط التي يستجاب لها أحيانا من طرف الحكومة حفاظا على الأمن والنظام ،، فلذلك ستكون المعركة حامية وقوية ولن تهدأ بسهولة.؟!


إذا ما الحل: 


اجزم أن (معظم) وليس كل من تحدثتُ عنهم في هذا المقال من طرفي النزاع رغم اختلاف توجهاتهم 180 درجة، هم - وعند الشدائد- أهل خير وتماسك وحب لمجتمعهم وآمن بلدهم ، ووطنهم ، والالتحام مع قادتهم للحفاظ على بيضة وطنهم.
 وفي العموم فإطار الحلول الكبير يكمن بشيء ملموس في الاصلاحات السياسية والاقتصادية والقضائية والتنظيمية ككل..، فلا شك بأن موازنة طبقات المجتمع الطبيعية يكمن بمحاربة الفساد والمحسوبيات والواسطات، فيرجع المعدل الطبيعي لأي مجتمع خلقه الله 10% أثرياء ، 80% أغنياء وميسورون 10% فقراء.. فتستقيم الحياة ولا ترجح كفة على كفة إلا كفة اصحاب الحق وليس أصحاب النفوذ والثراء..، 
هذا من الناحية الاجمالية أما ما يلمس قيادة المرأة في المملكة العربية السعودية فالحل كما لمحَتُ له أعلاه يكمن في هذه النقاط الأساسية:


أولا / إصلاح المرور وأخلاقياته داخل المدن ، واختفاء مظاهر الاستهتار التي نشاهدها كل يوم مثل :كالسرعة الهائلة ، التفحيط، التجاوزات، السير المخالف، حزام الأمان، الوقوف المزدوج، التجاوز من اليمين والشمال بدون مراعاة، العنف اللفظي والمعنوي من كثير من السائقين تجاه غيرهم، فوضى أصحاب التاكسي والليموزين في المطارات وداخل المدن، من حيث التوقف المفاجئ والأسعار، وعدم الالتزام بلبس معين، واحترام حقوق الراكب أو الراكبة، وفوضى أصحاب نقل المعلمات بين أو داخل المدن، وشروطهم ومواصفات سياراتهم وحقوق المعلمات الإنسانية والأخلاقية والأمنية .. وفوضى نقل الطلبة والطالبات من الروضة حتى الجامعة، ومواصفات الباصات والسائقين، وحقوق الطلاب والطالبات الأمنية، والأخلاقية والإنسانية ،، وغيرها كثير كالالتزام بقواعد المرور والصيانة والسرعة والمخالفات، ومدى تطبيق الأحكام والشروط ومدى تدخل الواسطات وقلب الحقائق وتنفيذ الأحكام...  ؟ 


ثانيا/ تنفيذ البنية التحتية للنقل والمواصلات في داخل المدن وخارجها عبر شبكة القطارات والمترو والباصات ووسائل النقل المتخصصة داخل كل المدن وفيما بينها وليس المدن الكبرى فقط. 

ثالثاً/ انشاء جهاز متخصص وتقني لمراقبة (كل) الطرق الطويلة فيما بين المدن، وفي معظم الطرق الهامة والرئيسية داخل المدن،عبر شبكة مرااقبة كميرات تدريجيا حتى يتم تغطية كل الطرق، كما في كثير من الدول المتقدمة، فكم من كامرة ستنقذ مصاب أو محتاج على الطريق، أو تساعد للقبض على مجرم وقاطع طريق أو مستهتر!


رابعا/ إصلاح المحطات بين المدن واشتراط تصميمها بشكل عصري يناسب احتياجات الإنسان واحترام حقوقه التي كفلها لها النظام باحترام إنسانيته، بتوفير الأمن له، وبحسن التعامل والمأكل والمشرب والمسكن في أثناء تواجده في هذه المحطات لأي غرض له و توفير مراكز الإسعاف والشرطة في كل ٥٠ كلم تقريبا. 


خامسا/ توصيف ونشر واضح للمجتمع حول صلاحيات كل جهاز حكومي يعمل في الشارع ويحتك بقضية مشكلات القيادة عموما وقيادة المرأة خصوصا، كالأمن العام المرور ، الشرطة، امن الطرق...الخ ، وتحديد صلاحيات الأجهزة الأخرى بوضوح للمواطن قبل الموظف ليعرف السائق ماهي مشكلته وبمن يتصل، وفي المقابل أن يعرف كل جهاز ما هي أدواره وحدود عمله وأن يكون بين أجهزة الحكومة تناغم وتوافق وتنسيق يخدم السائق منذ خروجه من بيته حتى يعود إليه، وليس كما نراه الآن من تركيز على أخطاء قد تصدر من جهاز الحسبة وغض الطرف عن أخطاء بقية الأجهزة ..!


سادسا/ دمج الدفاع المدني بالإسعاف في إدارة واحدة - في الطرق الطويلة على الأقل - لان معظم المشكلات تتطلب حضورهما سويا سواء في الحوادث أو الحرائق أو غيرها،، فتجد كثيرا عدم التفاهم بينهما عند الحوادث، فلا رجل الدفاع يعرف أبجديات الإسعاف، ولا رجل الإسعاف يعرف أبجديات الدفاع المدني، وقد يأتي احدهما قبل الآخر وهكذا، وإن لم يكن فلتنشأ غرفة الكترونية تقنية مشتركة لتنسيق أدوارهما بتناغم عند الحوادث .


سابعا/ في ظل وجود أكثر من 13 مليون سيارة في السعودية !، وهو الأكبر في الشرق الأوسط، بحيث لو كان هناك بشر بعدد السيارات لاحتاجوا محاكم خاصة فما بالك بأعداد السائقين والركاب وفكرة قيادة المرأة للسيارة ، فهل يوجد محاكم خاصة بالمرور والنقل ؟ فلا بد من وجود محاكم مرورية متخصصة في كل مدينة للفصل وإنهاء وتسليم الحكم وتسريع استلام التامين بعيدا عن النظام العتيق والمعقد الحالي ، سواء في مباشرة الحادث أو عند تقييمه أو إجراءات إنهاءه والحصول على قيمة التامين، وتعقيدات المرور وخاصة المكلوم والمصاب بحادث وبهدلته بنقل سيارته المصدومة عند شيخ الحراج والورش لتقييم الصدمة، والتي انتهت منذ أربعين سنة في دول متقدمة ونحن ما نزال عليها! 


ثامنا/ إيجاد وسن قوانين صارمة جداً وسريعة بحق كل من يتحرش أو يعاكس أو يفحط أو يسرق سيارة أو يختطف أحدا أو يستهتر بحياة الآخرين في الطرق، وتنفيذ الأحكام بسرعة لتكون عبرة، ليس كما نرى ، فهل سمع احد قتل بسبب قتله الآخرين بالتفحيط، وهل سمعنا بجزاء مؤدب المعاكسين والمتحرشين، !؟!


أخيرا/ ما ذكرته ما هو إلا جزء من الفكرة عموما وإذا ما تم تطبيق البنود فانا أول المؤيدين لقيادة المرأة للسيارة لأنها ستجد البيئة التي ستنقذها من مشكلات عجز الرجال عن حلها منذ عقود ومازالوا يردد عقلائهم إذا نزل إلى الشارع بسيارته : (اللهم سلم سلم ، اللهم أعدنا إلى بيتنا سالمين )! فان لم يصدمه أويبتليه احد، ولم تختطف سيارته أو أحد بنائه ولم يصدمه مفحط أو مخمور، فهو لا شك انه تنفس الصعداء عدة مرات من اقتراب هذه الأمور منه فنجاه الله ..
أكررها سأكون أول الداعمين والمؤيدين لقيادة المرأة إذا نفذت هذه الأمور هذا إذا احتاجت هي للسيارة،،، فهل ستؤيدونها معي ..!




    *تويتر / د. عبدالله المنيع      @Dr_manea     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق